في منزله المتواضع بأزقة المدينة القديمة، يبدأ الحاج أبو كرار (78عاما) يومه قبل أذان الفجر بساعة واحدة.
قاطعا المسافة بين بيته وباب القبلة سيرا على الأقدام، في كل خطوة تتحرك شفتاه بذكر الله تارة، أو قراءة قصار السور تارة أخرى.
رغم برودة الجو وصعوبة الصيام في هذا العمر، إلا أنّه يرفض الاستسلام للنوم، على أمل أداء صلاة الصبح جماعة في ضريح أبي الفضل العباس.
معلقا، "الصيام في حضرة الإمام العباس (عليه السلام) له طعم مختلف، هنا لا نشعر بظمأ الجسد، بل بظمأ الروح، الذي لا يرويه إلّا القرب من هذا المكان".
المحلة وبساطة المائدة
يقول الحاج أبو كرار وهو يسترجع شريط ذكرياته عن الفرق بين رمضان (أيام زمان) ورمضان اليوم في كربلاء، "زمان كان رمضان يبدأ من السطوح، كنا نصعد لنراقب الهلال بقلوبنا قبل عيوننا، لم تكن هناك فضائيات ولا هواتف، كان الخبر ينتشر بكلمة (مبارك عليكم الشهر)، التي تنتقل من جار لجار عبر الحيطان المتلاصقة".
مضيفا، " كانت الأطباق تدور بين البيوت قبل الأذان بنصف ساعة، تخرج (الهريسة) من بيتنا لترجع (فسنجون) من بيت جارنا، لم نكن نعرف من طبخ ماذا؟ لأن مائدتنا كانت مائدة المحلة كلها".
مكملا، " كان الفطور يبدأ بـ (شربة عدس) وخبز حار من تنور الطين، وتمرة برحي غارقة في الراشي، لم يكن هنا هذا البذخ، لكن كانت هناك (بركة) تملأ الصحون وتكفي الضيف والمار".
رمضان اليوم
يصمت الحاج قليلا وهو ينظر نحو المنارة، ثم يتابع، "اليوم الدنيا تغيرت، لكن كربلاء بقيت كربلاء، الفرق الكبير هو في العمران والخدمة، في شبابي كان الوصول للضريح في الصيف جهادا بسبب الحر والغبار، أما اليوم فالمراقد صارت جَنّة من التبريد والرخام البارد".
مستدركا، "في شبابي، كان الصحن يغلق أبوابه في وقت متأخر من الليل، أما اليوم فالحرم لا ينام، حياة الليل، في رمضان كربلاء اليوم أجمل بكثير، صلوات الجماعة، المحافل القرآنية، التي نراها الآن في الصحن العباسي والحسيني لم نكن نحلم بهذا التنظيم".
إلى ذلك توفر العتبة العباسية المقدسة تسهيلات خاصة لكبار السن لضمان راحتهم، كتوفير كراسي متحركة وحديثة للتنقل داخل الصحن، وأماكن مهيأة للصلاة والراحة، وتقديم وجبات الإفطار والسحور للزائرين، وفرق طبية جوالة لمراقبة حالتهم الصحية، خاصة ساعات النهار الطويلة.
طقوس خاصة
من جانبه يقول جواد كاظم كاطع، من أهالي الشطرة معلّم متقاعد يسكن حاليا في كربلاء منذ أربع سنوات، "لدي موعد ثابت، وبرنامج ثابت، أكاد لا أحيد عنه سواء في رمضان أم قبله، أحضر إلى صحن المولى أبي الفضل العباس (عليه السلام) في تمام الساعة العاشرة صباحا".
ويضيف، "على أمل تأدية الأعمال اليومية الواردة في كتاب ضياء الصالحين، مسبوقة بزيارة قمر بني هاشم والسيدة زينب والسيدة أم البنين (عليهم السلام) ".
مضيفا، " من ثم أبدأ بورد صلاة ركعتين هدية لأمير المؤمنين، ولأمّ البنين، والسيدة زينب، ولقمر العشيرة، ولأم الإمام الحجّة، وركعتين لوالدي، وركعتين لمن أوصاني بالزيارة والدعاء، من أخواني وأخواتي الأموات منهم والأحياء، بعد ذلك أتفرغ لقراءة القرآن".
ويتابع، "عندما يأتي موعد صلاة الظهر والعصر جماعة في صحن الإمام العباس (عليه السلام) على أمل العودة ثانية في الساعة الرابعة والنصف عصرا تقريبا إلى صحن الإمام الحسين (عليه السلام) ، لتأدية ذات الطقوس التي مارستها في صحن الإمام العباس (عليه السلام) صباح هذا اليوم".
ويشير، "يستمر الحال على ما هو عليه حتى يأتي موعد صلاة المغرب والعشاء، والاستماع للمحاضرة الدينية التي تقام في صحن الإمام الحسين (عليه السلام).
شهر رمضان في كربلاء له خصوصية خاصة اعتاد عليها أهالي كربلاء، منذ عهدٍ قديم.
من جانبه يبين الحاج مهدي هادي عبد الحميد العطار وهو من تولد سنة 1955 ويقطن في باب السلالمة، إحدى محلات مدينة كربلاء القديمة، أن "مجتمع كربلاء في ستينيات القرن الماضي، كان مجتمع صغير جدا، يتسم بالألفة والمحبة والترابط الأسري غير الاعتيادي".
ويضيف، "ليس هذا فحسب، بل نحن كمجتمع نرى شهر رمضان، شهر استثنائي بكل القياسات، وهو متنفس للبذل والعطاء، وإقامة المجالس الحسينية، وإحياء ليالي رمضان بالذكر والدعاء، والصلاة الجماعية".
مبينا، "وهذا ما تربينا عليه منذ الطفولة كأفراد وأُسَر كربلائية، اعتدنا الحضور يوميا إلى صحن الإمام الحسين وأخيه الإمام العباس (عليهما السلام) ، ما قبل الزوال، وما بعده، وإلى ساعة متأخرة من الليل".
ويكمل، "ذلك من أجل تأدية فروض الصوم والصلاة والدعاء والزيارة وقراءة القرآن ، على أمل النهوض مبكرا لأداء صلاة الليل والسحور".
مائدة الكفيل مجمع القلوب
ومع اقتراب صلاة الغروب، تتحول الساحات المحيطة بالعتبة العباسية إلى خلية نحل.
فيقول الحاج أبو مهند الإبراهيمي، من أهالي النجف ناحية المشخاب، "يساهم المتطوعون والمنتسبون في فرش مواكب الإفطار، المثير للإعجاب هو مشهد كبار السن وهم يرفضون الجلوس بانتظار الخدمة فقط".
ويضيف، " بل تجد الكثير منهم يصر على مساعدة الشباب في توزيع التمر والماء، ناقلين خبرة الخدمة الحسينية إلى الأجيال الجديدة".
في مقابل ذلك، يقول السيد جاسم الموسوي من أهالي بغداد، حضر إلى كربلاء في العام 2005 بسبب العمليات الإرهابية، إنّ "الخدمات الجليلة التي تقدمها العتبة العباسية المقدسة للزائرين، خصوصا لكبار السن هي محل تقدير وإجلال".
ويضيف، "هذا مما يوفر لنا فرصة زيارة مرقد الإمام الحسين وأخيه الإمام العباس (عليهما السلام) بشكل مريح ".
لافتا، "أما بخصوص الأعمال اليومية التي أقوم بها شخصيا، ما بعد الصلاة والدعاء والزيارة، فهي قراءة القرآن بشكل متسلسل، بنية إهداء الأجزاء الأولى 12 إلى الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، من ثم أهدي الأجزاء الأخرى إلى أرحامي من الأموات، لكسب الأجر والثواب".
وبينما يرتفع صوت الأذان بعبارة (الله أكبر) معلنا انتهاء يوم صيام، يرفع هؤلاء الشيوخ أكفّهم نحو السماء بقلوب مطمئنة، بالنسبة لهم رمضان في كربلاء ليس مجرد عبادة، بل هو تجديد للعهد ورحلة روحية تمسح عن كواهلهم تعب السنين.