image alt

"لسان آل محمد" فيلم سينمائي تنتجه العتبة العباسية المقدسة

"لسان آل محمد" فيلم سينمائي تنتجه العتبة العباسية المقدسة


يسعى مصطفى الخطاوي بكلّ ما يملك من إمكانيّات فنية إلى إنتاج مقاربة جامِعة للبعد التاريخي والطرح العقائدي، والمعالجة السينمائية المتقدمة.

فالخطاوي الذي يعمل مخرجا سينمائيا منذ عامين في مركز الكفيل للإنتاج الفني التابع لقسم الإعلام في العتبة العباسية المقدسة، واصل الليل بالنهار على مدى أكثر من شهرين ليكمل اخراج الفيلم التاريخي (لسان آل محمد).


ويُعدّ قسم الاعلام في العتبة العباسية المقدسة أحد أبرز المرتكزات الثقافية والتوعوية في مدينة كربلاء المقدسة التي تستقطب سنويا عشرات ملايين الزوار من داخل العراق وخارجه.

يبين الخطاوي، "فيلم (لسان آل مُحمّد) هو ليس مجرد فيلم، أو سيرة ذاتية، بل هو عمل تاريخي يحاول عن طريقه استعادة ملامح شخصية فذة جمعت بين الفقه، والقراءة والأدب".

ويضيف، "حبكة الفيلم تتركز في توظيف اللغة السينمائية في طرح الأسئلة الفكرية العميقة، وخلق توازن محسوس وملموس بين الأصالة التاريخية والرؤية الإخراجية الحديثة".


موضحا، ""فيلم (لسان آل مُحمّد) جاء منسجما مع مزيج من المصادر التاريخية الموثوقة المرتبطة بمرحلة الإمام الصادق (عليه السلام)، لا سيما بما ورد عن شخصية أبان بن تغلب، بِعَدِّه أحد أبرز الرواة والعلماء في تلك الحقبة".

مستدركا، "لكن في نفس الوقت اعتمدت معالجة درامية معاصرة، واضفت بعض المشاهد والتفاصيل، التي وُلدت من رؤيتي الاخراجية؛ بهدف تقديم الخطاب التاريخي بلغة بصرية قريبة من وعي المتلقي اليوم".

لافتا، "دون الإخلال في جوهر الحقيقة، أو في موضوع السيناريو".


من جانبه يشير الفنان وممثل بطولة الفيلم الدكتور محمود أبو العباس، (وهو من الداعمين للدراما التاريخية) قائلا، "مثل هذه الأعمال نفتقدها على الشاشات العراقية، لا سيما ونحن في خضم شخصية كشخصية أبان بن معاذ، وهي من الشخصيات القليلة التي ما نصفها التاريخ، وهو من مريدي الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)".

موضحا، " كان لي الشرف أن أجسد تلك الشخصية، التي تحمل في طياتها معانٍ تاريخية وإسلامية وإنسانية سامية".

ويضيف، "هذه الشخصية لها نكهة خاصة ومذاق خاص، وهي تختلف عن عموم الأدوار الشعبية التي عملت عليها في التلفزيون والسينما وحتى الإذاعة والمسرح".

مبينا، "بطبيعة الحال إنّ تجسيد هكذا شخصية يتطلب منا البحث عن جذورها والسؤال عنها بشكل مستفيض، وهذا ما عمل عليه بعض العلماء الأجلّاء الذين لم يبخلوا علينا بالمعلومات عن تلك الشخصية".


يكشف رئيس قسم العلاقات والإعلام في مركز الصادقين للبحوث والدراسات والتحقيق، الشيخ حمد الشمري، أن "وحدة النشاط والعلاقات والإعلام اخذت على عاتقها الاهتمام بالجوانب المعاصرة، والتي منها التوثيق المرئي لسيرة الإمامين (عليهما السلام) وأصحابهما".

ويضيف، "من هنا جاءت البذرة الأولى لهذا المشروع لاحد أصحاب الأئمة (عليهم السلام) وهو أبان بن تغلب بعنوان (لسان آل مُحمّد)".

لافتا، "اقترحت أكثر من فكرة لإخراج هذا العمل، بعد إنجاز وحدة النشاط والعلاقات والإعلام لمادته العلمية منها إنتاجه بالذكاء الصناعي ومنها إنجازه على شكل وثائقي بحثي".

موضحا، "ولكن كانت الرغبة منا أن يُنجز على شكل فلم تمثيلي، ولو بنحو (الديكودراما)، ومن هنا كان اختيارنا لمركز الكفيل للإنتاج الفني الخيار الأمثل لتنفيذ هذه الفكرة؛ وذلك لتكلفة العمل المرتفعة وقلة الموارد والإمكانيات لمثل هكذا عمل في بلدنا العزيز ".

مبينا، "لذلك نقول إن هذا العمل وإن كان غير مستوعب لجميع ما ورد في سيرة أبان بن تغلب، بل أن سيرته أعظم من أن تُستوعب، إلّا إننا حرصنا على أن يُسلّط الضوء على أهم المحطات في سيرته المباركة، أما بنحو التجسيد التمثيلي أو بنحو الإشارة الدرامية أو عن طريق الباحثين الأفاضل".


ويعلق مصطفى الخطاوي مخرج الفيلم، "جذبتني شخصية أبان من تغلب؛ لأنّها من الشخصيات التي لم يرد ذكرها في التاريخ إلّا قليلًا، لذلك آليت على نفسي خلق قصة له، ولكن من دون أي صدمة أو تغيير في الروايات أو النصوص التاريخية".

موضحا، "بمعنى أن شخصية أبان بن تغلب عاشت في نهاية الحكومة الاموية وبداية الحكومة العباسية، إذ كان يصعب التمييز بين ما يقال باسم الدين، وما هو من صميم الدين".

ويكمل، "بالتالي الفيلم يضع أيدينا على خطورة الصمت في مواجهة الباطل، ويعيد طرح مفهوم المسؤولية الفردية اتجاه الحقيقة، خصوصا في زمن تختلط فيه الأصوات".

مضيفا، "ويركز الفيلم على البعد الحواري والبعد الفكري، إذ بُنيت الحبكة على صراع قائم بين الكلمة والصمت، وبين الفهم السطحي، والوعي العميق، فبعض مشاهد هذا الفيلم شكلت فضاءً بصريا غنيا".

ويشير الخطاوي، " الفيلم يلامس الوضع الفكري والاجتماعي لتلك المرحلة، فضلًا عن التحولات النفسية التي يمر بها بطل العمل، والتي تُبنى تدريجيا حتى تصل إلى ذروة درامية مؤثرة".

ويبيّن أبو العباس، أنّ "فيلم لسان آل محمد، حضي بفريق إخراجي متمرّس ومحترف، لاسيما في أدق التفاصيل التي تخص الأماكن التاريخية لهذا العمل، وحتى المتحدثين التاريخيين كانوا في موقع تصوير هذا الفيلم، وهذا ما يحسب للمخرج".

ويضيف، "إيقاع الفيلم كان ممسوكًا بشكل ممتاز، بين الفعل الدرامي والفعل التوضيحي، بدوره أيضا عمد مخرج الفيلم إلى استقدام وجوه تمثيلية جديدة وغير مستهلكة في شاشتي التلفزيون والسينما، وهذه نقاط مهمة تعزز من مكانة هذا الفيلم".


رسالة الفيلم

تدور أحداث الفيلم التي تمتد على فترة 30 دقيقة ويتكون من 12 مشهدا، حول شخصية أبان بن تغلب، أحد صحابة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).

وأنتج الفيلم مركز الكفيل للإنتاج الفني والبث المباشر التابع لقسم الإعلام، بالتعاون مع مركز الصادقين (عليهما السلام) للبحوث والدراسات والتحقيق، في العتبة العباسية المقدسة.

وامتدت عملية إنتاج هذا الفيلم بالكامل، أشهر عِدّة، كان فيها آلية البحث، وكتابة السيناريو والتحضيرات، ووضع المعالجات البصرية؛ لإعطاء الفيلم هوية سينمائية متماسكة، مما أعطى للفيلم بعدا إضافيا متجددا وعميقا دراميا وتاريخيا، يحمل بين طياته الكثير والكثير من الرسائل.

ويرى الخطاوي أن الأعمال التاريخية صعبة التنفيذ في العراق؛ بسبب قلة المواقع التاريخية الجاهزة، ولا توجد مدينة سينمائية تاريخية، وما إلى ذلك من التخصصات الفنية الماهرة التي تتصل بعالـم الأزياء التاريخية، والمكياج، والتصميم والإخراج، والتصوير السينمائي، والإضاءة، والصوت، وفريق الإنتاج.


مبينا، "واجه العمل صعوبات كثيرة بفترة شهرين متكاملين، في أجواء باردة، رغم محدودية الإمكانيات، للوصول إلى مستوى بصري وفني يليق بطبيعة العمل".

وجرى تصوير الفيلم في مواقع حقيقية، مثل موقع (حصن الاخيضر التاريخي) في كربلاء المقدسة، بمعونة فريق التصميم والإنتاج، وأخذ الموافقات الرسمية، وإكمال الصيانة في الموقع التاريخي ".


يقول الخطاوي، "هذا مما عزز لدينا مشروع تصميم المواقع وتجهيز الإكسسوارات، وهي خطوة متقدمة باتجاه دعم أعمالنا الفنية التاريخية في المستقبل".

ويقع حصن الأخيضر التاريخي في الجنوب الغربي من صحراء مدينة كربلاء على مسافة 50 كم، من مدينة كربلاء، و152 كم، إلى الجنوب الغربي من العاصمة بغداد، وهي منطقة فيها الكثير من المعالم التاريخية والأثرية، فضلًا عن بحيرة الرزازة التي تُعدّ ثامن بحيرة في العالم من ناحية المساحة.


فيما يشير الدكتور محمود أبو العباس إلى، أنّ "مركز الكفيل للإنتاج الفني والبث المباشر من المنارات المهمة في الخدمات الفكرية والإنسانية والثقافية، وهي كسر للصورة النمطية التي طالما ألفناها عن العتبات الدينية المقدسة في كربلاء والنجف والكاظمية، لنستبدلها بصورة أخرى أساسها التنوير الواعي غير المؤدلج، تدعو للتنوير، وهي تجربة يُشار لها بالبنان".


ويرى أبو العباس أن الأعمال التاريخية هي عبارة عن بوصلة نهتدي عن طريقها إلى الصفحات المشرقة من تاريخنا الإسلامي، الذي يزخر بمواقف وصور إيجابية كثيرة، مسالمة ورافضة لعناوين التحزب الفكري والطائفي كلّها.


معلقا، "لنشيع بدلا عن ذلك، حالة السلام والوئام، وذلك عن طريق الصورة الدرامية؛ لأنّها ذات صلة مباشرة مع المُتلقّي، لذلك نحن نشجع على إنتاج مثل هذه الأفلام، على الرغم من أنّها تحتاج لتكاليف عالية".

من جانبه علق الأستاذ الدكتور علي الشيباني، أستاذ مادة الإخراج المسرحي/ كلية الفنون الجميلة جامعة الحلة الأهلية، أن "دخول العتبة ميدان الإنتاج السينمائي يمثل ثورة بيضاء في الإعلام الديني".

مشيرا، "استطاعت أن تكسر النمطية التقليدية".

ويضيف، "هذا محتوى يجمع بين قدسية الرسالة وحداثة الأداة، فالسينما هنا لم تُعدّ وسيلة ترفيه فقط".