نحن على أعتاب آخر أيام عاشوراء.. في ليلة مميزة اقترنت بمأساة أصغر شهيد في معركة الطف الخالدة، فهي ليلة عبد الله الرضيع، الذي قُتل على يد أحد أشقياء الجيش الأموي بأمر من عمر بن سعد الملعون، وبتنفيذ حرملة بن كاهل الأسدي، الذي أنفذ سهمه الُمشعّب في عنق عبد الله عندما رفعه الإمام الحسين عليه السلام مطالبا بشربة ماء تطفي ظمأ الرضيع.
مئات أو آلاف الأطفال كانوا يتحشدون في شوارع وأزقة المدينة وهم يرتدون الجلابيب البيضاء، على عكس أيام عاشوراء السابقة التي يتشحون بها بالثياب السوداء، فيما تصطحب الأمهات أطفالهن الرضَّع أيضا وقد لبسوا الثياب الخضراء، وعلى الرغم من أنّ الأجواء تظهر تعدد الألوان، إلّا أنّ هدف الناس في هذه الليلة هو مواساة الإمام الحسين عليه السلام باستشهاد طفله الرضيع.
موكب عبد الله الرضيع، أحد المواكب الحسينية في مدينة كربلاء المُقدَّسة، ويقع مقرّه في منطقة باب الطاق، إحدى المحال السكنية المجاورة للعتبة الحسينية المقدسة من الجهة الشمالية، أفرد لهذه الليلة موكبًا عزائيًّا خاصًّا.

كان معظم أفراد الموكب من الأطفال، وتتراوح أعمارهم بين خمس إلى عشر سنوات حصرًا، يرتدون الجلابيب البيضاء ويرفعون رايات بنفس اللون.
كانت مُهمّة الموكب العزائي هو أن يجوب شوارع المدينة القديمة، قبل أن يتوجه إلى صوب العتبة العباسية المقدسة، قاطعين بعد ذلك منطقة بين الحرمين، قبل أن تنتهي مسيرتهم في مرقد الإمام الحسين عليه السلام.
كان المسير على وقع قرع الطبول، في إشارة الى أجواء الحرب والمعركة، في حين كان مهد الرضيع مغطى بقماشة خضراء يتوسط صفوف الأطفال في مسيرهم.

تلك المشاهد أثارت مشاعر الناس وخصوصًا النساء، وبعض الأمّهات اللاتي يَحمِلنَ أطفالهنّ أجهشن بالبكاء، فيما لم يقتصر الحزن عليهنّ فقط، فمشاعر الألم والجزع بادية على وجوه الرجال أيضا.
في أزقة المدينة كانت جميع مقارّ المواكب الحسينية تضع في واجهتها مهدًا صغيرًا كتعبير تضامن مع واقعة شهادة الرضيع عبد الله، في حين كانت بعض النساء تتبرّك بوضع العملات النقدية داخل المهد.
السيدة أم حيدر (34) عامًا، كانت تتمعّن في مهد الرضيع وهي تحتضن طلفها البالغ من العمر أربعة أشهر، في الوقت الذي لم تستطع أن تكفّ دموعها عن الانهمار.
مُعَلّقةً، "لو كنت في المعركة لافتديت طفلي؛ لأواسي قلب الرباب المكسور".
مُضيفةً، "أشعر بحرارة وألم الموقف الذي شهده الإمام الحسين عليه السلام وأمّ عبد الله الرضيع".

والسيدة الرباب هي زوجة الإمام الحسين وأمّ عبد الله الرضيع عليهما السلام، وتشير المرويات التاريخية إلى أنّ حليبها جفّ بسبب العطش الناجم عن محاصرة الجيش الأموي لمعسكر الحسين عليه السلام.
تقول السيدة أم حيدر، "آلاف النساء تشارك في إحياء ذكرى هذه المأساة".
مُضِيفةً، "كثير من النسوة يتقرّبن إلى الله عزّ وجلّ عبر مؤاساة سيد الأحرار عبر إحياء هذه الليلة".
وتشير، "بعض النسوة ممن حُرِمنَ من الإنجاب، وهناك من يحملن أطفالهن المرضى، يطفن بين الحرمين الشريفين طلبًا للشفاء والذرية ببركة عبد الله الرضيع، طفل الإمام الحسين عليه السلام".
واعتادت الكثير من العوائل العراقية عموما والكربلائية والنجفية على وجه الخصوص، على جلب ثياب أطفال جديدة، أو حليب، أو مستلزمات أطفال، وَوَضْعها في المهد، أو توزيعها، باسم عبد الله الرضيع على الفقراء، ما يضفي طابعًا تكافليا وإنسانيا على الطقس العزائي.

علي الأكبر
صبيحة التاسع من محرم، الساعات الفاصلة قبل أن تضجّ المدينة بيوم عاشوراء، ذلك اليوم الذي استُحلّت فيه دماء أهل بيت النبي محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
في هذا الصباح تتقاطر مواكب العزاء لإحياء ذكرى علي الأكبر أقرب أهل البيت لرسول الله خلقًا وخُلقًا ومنطقًا، والذي اجتمعت فيه محاسن الصورة وجلال الروح.
فيما كانت مواكب التشابيه التي تضم الفرسان الذين يمتطون الخيول يتأخرون بضع خطوات عن الفارس الشبيه بعلي الأكبر.
كان الفارس الذي يؤدّي الدور قد غطّى وجهه بقماش أبيض، كتعبير عن الاحترام والهيبة لمقام الأكبر عليه السلام.
كان الشبيه يتقلّد لامة الحرب بشكل كامل، وفوق عمامته الخضراء قلنسوة حديدية، فيما كان يرفع مخطوطة جلدية كُتبت عليها أرجوزة الأكبر عليه السلام عندما دخل ساحة المعركة في كربلاء،
أنا علي بن الحسين بن علي
نحن وربّ البيت أولى بالنبي
ذلك المشهد المهيب كان يطوف شوارع المدينة، فيما كانت أعين الناس تعكس مشاعر مختلطة، منها الشعور بالهيبة وأخرى مشاعر الحزن على ما جرى بحق أهل البيت عليهم السلام.
على مدى عدة ساعات، كانت مواكب العزاء تتوالى بالشارعين الرئيسيين في المدينة، ابتداءً من مواكب التشابيه، مرورا بمواكب الزنجيل، وأخيرا وليس آخرا مواكب العزاء التي تلقي قصائد الرثاء.
كان كلّ موكب كالعادة يرفع لافتة توضّح تسميته وسنة تأسيسه واسم المحلة السكنية التي انطلق منها، إلى جانب عبارة تبيّن الذكرى التي انطلق لأجلها الموكب، مثل "يوم شهادة علي الأكبر عليه السلام".
ومع ذلك.. كانت هناك تحضيرات تشهدها المدينة القديمة، ويبدو أن التحضيرات تسترعي اهتمام الأهالي والزائرين وإدارة العتبتين المقدستين كلٌّ على حد سواء.
