من بيت الأحزان في بقيع الغرقد إلى المشاهد التي تستحضر مصابها في كربلاء المقدسة، تتواصل محاولات إبقاء الذاكرة حاضرة، عبر عمل فني وتراثي تنفّذه ملاكات العتبة العباسية المقدسة؛ استذكارًا لسيرة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.
لم تكن الحكايات التي تناقلتها الكتب عن حزن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، بعد رحيل أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله، مجرد سطور في صفحات التاريخ، بل غدت جزءاً من ذاكرة وجدانية تناقلتها الأجيال، واستحضرت عن طريقها ملامح تلك المرحلة، وما حملته من آلام ومواقف بقيت حاضرة في وجدان محبي أهل البيت عليهم السلام.
من بين تلك الحكايات، تبرز قصة "بيت الأحزان"، المكان الذي ارتبط في الروايات والتدوينات التاريخية بحزن السيدة الزهراء عليها السلام على أبيها، بعد أن فُجعت برحيل السند الذي كانت تأوي إليه، لتبدأ مرحلة عصيبة من حياتها، لم تمضِ بعدها سوى مدة قصيرة حتى لحقت به.
وتذكر روايات في التراث الشيعي أنّ أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بنى لها بيتاً في البقيع، خارج المدينة المنورة، لتقيم فيه العزاء وتبكي أباها، وكانت تقصده برفقة ولديها الحسن والحسين عليهما السلام، ثم تعود إلى منزلها عند المساء.
وقد ارتبط المكان باسم "بيت الأحزان"، فيما أشار مؤرخون ورحّالة إلى موضع عُرف ببيت الحزن أو مسجد فاطمة في البقيع.
ولم يبقَ ذلك الموضع على حاله؛ إذ اختفت معالمه بعد عمليات الهدم التي طالت معالم البقيع في العهد السعودي سنة 1344هـ، الموافق لعام 1926م.
وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أنّ الموقع شهد إعادة بناء أو ترميم في فترات سابقة، بعد تعرض أجزاء من البقيع للهدم في مراحل تاريخية مختلفة وبذلك غاب البناء، لكن الحكاية التي ارتبطت به بقيت حاضرة في الذاكرة الدينية والتاريخية.

من الذاكرة إلى المشهد
وفي كربلاء المقدسة، حيث تتجدد مظاهر الحزن في مناسبات أهل البيت عليهم السلام، تتخذ هذه الذاكرة شكلاً آخر؛ إذ تعمل ملاكات العتبة العباسية المقدسة على استحضار جوانب من مصيبة السيدة الزهراء عليها السلام عبر بانوراما فنية وتراثية، تسعى إلى تقريب أحداث تلك المرحلة من أذهان الزائرين، وتحويل المعلومات التي يقرؤونها في الكتب إلى مشاهد بصرية تستوقفهم وتدعوهم إلى التأمل.
وتتولّى شعبة الأثاث والزينة في قسم رعاية الصحن الشريف تنفيذ هذه الأعمال، بالتزامن مع إحياء ذكرى شهادة السيدة الزهراء عليها السلام.
إذ تمتد الاستعدادات إلى مواقع متعددة، تشمل قواطع الرجال والنساء، وساحة بين الحرمين الشريفين، إلى جانب مواقع أخرى داخل العتبة المقدسة، بالتنسيق مع الأقسام المعنية بالمواكب الحسينية والشؤون الفكرية والخطاب الحسيني.
يقول مسؤول شعبة الأثاث والزينة، حسنين صادق كاظم، إنّ "ملاكات الشعبة تواصل تنفيذ هذه البانوراما للعام الرابع على التوالي، ضمن استعداداتها لإحياء المناسبة".
موضحاً، "العمل يستغرق ما بين أربعة وخمسة أيام، بحسب متطلبات التنفيذ وتجهيز المواد المستخدمة".
ويضيف، "المواد التي تدخل في إنشاء المشاهد تشمل ألواح الخشب والمواد الخشبية والطين، فضلاً عن مواد أخرى يجري توظيفها في تشكيل تفاصيل البانوراما، بما يتناسب مع طبيعة المشاهد المراد تجسيدها".
ولا يقتصر العمل على إقامة هياكل شكلية؛ بل يتطلب ترتيب العناصر وتنسيقها لتكوين صورة مترابطة تستحضر أجواء المنزل والباب وبعض التفاصيل المرتبطة بما ورد في الروايات عن مصيبة السيدة الزهراء عليها السلام، مع الإشارة إلى مواقع الإمام علي والحسن والحسين عليهم السلام، وإدراج رموز تراثية أخرى ورد ذكرها في بعض المرويات.
وتتفاوت تفاصيل هذه المشاهد تبعاً للمادة التاريخية أو الروائية التي تستند إليها، لذلك تحرص العتبة المقدسة، بحسب ما أوضحته ملاكات العمل، على ربط التجسيد بالمرويات المعتمدة وإخضاعه للإشراف المؤسسي، بما يحفظ هوية العمل ويمنحه غايته التوعوية.

مشاهد تحمل ذاكرة المصاب
في ساحة بين الحرمين الشريفين، يتكامل الجانب الفني مع الجانب الفكري؛ إذ يسهم قسم الشؤون الفكرية في تقديم مضامين بصرية عبر الملصقات والبوسترات، إلى جانب المواد التراثية الأخرى التي تسلط الضوء على سيرة السيدة الزهراء عليها السلام ومصابها.
ويشير معاون رئيس قسم رعاية الصحن الشريف، زين العابدين عدنان أحمد القريشي، الى أن "هذه الأعمال تأتي ضمن استعدادات العتبة العباسية المقدسة لإحياء المناسبة".
مبينا، "تشمل الأعمال إقامة المشاهد الخاصة بالمصيبة ونشر لافتات الحزن والعزاء في المواقع المختلفة، بالتنسيق بين الأقسام المعنية".
وتحضر في هذه الأعمال تفاصيل المنزل والباب، وما يرتبط بهما من أحداث في الروايات، فضلاً عن الإشارات التي تستحضر حضور أمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام.
كما تُوظف بعض العناصر التراثية التي وردت في المرويات، لتكوين مشهد متكامل يربط الزائر بالمادة التي يستند إليها العمل.
ولا تنفصل هذه الجهود عن حرص العتبة العباسية المقدسة على إبقاء المناسبات الدينية حاضرة في الوعي العام، عبر الجمع بين إحياء الشعائر والتعريف بالموروث التاريخي، وتقديمه بأساليب بصرية قريبة من الزائرين، ولا سيما الأجيال التي تتعرف إلى هذه الوقائع عن طريق المشاهد والمواد التثقيفية.

حين تتحدث المشاهد إلى الزائرين
وبينما يتوقف الزائر أمام تفاصيل البانوراما، لا يكون المشهد بالنسبة إليه مجرد بناء من الخشب والطين، بل مساحة يستعيد فيها ما قرأه أو سمعه عن السيدة الزهراء عليها السلام، ويتأمل ما تحمله تلك السيرة من معاني الوفاء والصبر والمظلومية.
يقول محمد الساعدي، البالغ من العمر 40 عاماً، وقدم من بغداد، إنّ "تجسيد هذه الأحداث بصورة مشاهد فنية يساعد الزائر على الاقتراب من تفاصيل القضية، ويمنح الأجيال فرصة للتعرف إلى جوانب من سيرة السيدة الزهراء عليها السلام، بدلاً من الاكتفاء بقراءة المعلومات عنها".
ويضيف، "كما أن وجود هذه الأعمال في محيط العتبات المقدسة يعزز ارتباط الزائر بالمناسبة ويحفزه على التأمل في معانيها".
أمّا علي ساجد، البالغ من العمر 52 عاماً، القادم من مدينة الديوانية، فيرى أنّ إحياء ذكرى السيدة الزهراء عليها السلام لا يقتصر على إقامة مجالس العزاء، بل يمتد إلى التعريف بسيرتها وما تمثله من مكانة في وجدان المسلمين.
مبيناً، "المشاهد التراثية والبانورامات الفنية يمكن أن تسهم في نقل هذه الذاكرة إلى الأجيال المقبلة، إذا اقترنت بالدقة في عرض الروايات وتوضيح دلالاتها".
حكاية لا يغيب أثرها
من بيت الأحزان الذي غابت معالمه في البقيع، إلى البانوراما التي تستعيد ملامح المصاب في كربلاء، تتواصل حكاية ترتبط بذاكرة دينية وإنسانية عميقة؛ حكاية لا تتوقف عند حدود المكان، بل تتجدد عبر الرواية والمشهد والكلمة.
وهكذا، تسعى ملاكات العتبة العباسية المقدسة إلى أن تجعل من الفن والتراث وسيلتين لحفظ الذاكرة واستحضار دلالاتها، في عمل يجمع بين الجهد الفني والتنسيق المؤسسي والتعريف بالموروث، لتبقى سيرة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام حاضرة في وجدان الزائرين، ولتظل صفحات التاريخ نافذة يطلّ منها الحاضر على أحداث الماضي وما تركته من أثر.