image alt

من باكستان إلى كربلاء المقدّسة ... "سبيكة زهران" تحتفي بتخرّجها في رحاب الكفيل

من باكستان إلى كربلاء المقدّسة ... "سبيكة زهران" تحتفي بتخرّجها في رحاب الكفيل

لم تكن المسافة التي قطعتها "سبيكة زهران" من باكستان إلى كربلاء مجرد رحلة عابرة بين بلدين، ولم يكن حضورها حفل التخرج محطة للاحتفاء بشهادة جامعية نالتها بعد سنوات من الدراسة فحسب، فقد حملت معها أمنية تتجاوز حدود الإنجاز الأكاديمي، لتجد نفسها واقفة أمام مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، تشارك آلاف الخريجات فرحة التخرج في رحاب بنات الكفيل، وتعود إلى بلدها بذكرى تريد أن تجعل منها جزءاً واعدًا من مسيرتها وحياتها.

desc-bc6e7a2cf7fafd36.jpeg

"سبيكة"، الحاصلة على شهادة البكالوريوس في علم النفس من جامعة جناح في باكستان، وجدت في حفل تخرج طالبات الجامعات العراقية وبعض الدول الإسلامية (دفعة بنات الكفيل) الحادية عشرة فرصة للاحتفاء بإنجازها العلمي في مكان يحمل قيمة روحية خاصة لديها.

إذ لم تكن مشاركتها مرتبطة بمراسم التخرج وحدها، بل بما يمثله هذا المحفل من قيم دينية وأخلاقية، وما يجسده من ارتباط بنهج أهل البيت عليهم السلام.

فتصف تجربتها بأنها من "أبرز الإنجازات التي حققتها في حياتها".

مبينة، "لحظة وصولها إلى كربلاء منحتها شعوراً بأنها في منزلها، وسط ما وجدته من حفاوة استقبال واهتمام وتنظيم، وما وفرته الملاكات العاملة من احتياجات للمشارِكات".

desc-d1dd6b15f1f12a66.jpeg

الأمر الذي جعلها تعيش أجواءً مختلفةً عن حفلات التخرج التي اعتادت مشاهدتها.

وتقول، "كانت مشاركتي في هذا الحفل تجربة استثنائية بالنسبة لي، فقد شعرت بسعادة كبيرة وامتنان لهذه الفرصة التي أُتيحت لي؛ للوقوف في رحاب مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، والاحتفاء بإنجازي العلمي في مكان يحمل قيمة روحية كبيرة".

وتابعت، "أرى أنّ هذه التجربة تستحق أن أشارك فرحتي بها مع عائلتي وصديقاتي، لما تحمله من معان تتجاوز حدود التخرج التقليدي".

وتسترسل سبيكة زهران قائلة، "أرغب في تعريف صديقاتي بهذه التجربة وما تحمله من قيم، ولا سيما القيم الزهرائية ومعاني الحجاب والالتزام الديني؛ فقد منحتني مشاركتي فرصة للتعرف بصورة أعمق على هذه المعاني، وعززت اعتزازي بها، خصوصاً أنني كنت أسعى إلى الالتزام بالحجاب منذ طفولتي".

وموضحة، "سأعود إلى بلدي وأنا أحمل تجربة أعتز بها كثيراً، وأتمنى أن أنقل ما عشته في كربلاء إلى مجتمعي، وأن أُعرّف الفتيات بالقيم التي لمستها في أثناء هذه المشاركة".

مشيرة، "لا سيما التمسك بالحجاب وتعاليم الدين الإسلامي ونهج الرسول الأكرم وأهل بيته عليهم السلام فهذه التجربة لم تكن مجرد احتفال بالتخرج، بل محطة ستبقى مؤثرة في حياتي".

desc-ff6e568c084aff93.jpeg

من بلدان مختلفة ... قِيَمٌ تجمع الخريجات

لم تكن الطالبة سبيكة زهران وحدها تحمل هذه المعاني في رحلتها إلى كربلاء؛ فبين المشاركات طالبات قَدِمن من بلدان متعددة، جمعتهنّ الرغبة في الاحتفاء بإنجازاتهن العلمية في رحاب أبي الفضل العباس عليه السلام، وتحويل لحظة التخرج إلى عهد بمواصلة الطريق الذي اخترنه.

من جنوب لبنان، حضرت الطالبة بيان صباح، خريجة الجامعة اليسوعية، وهي ترى في وجودها بكربلاء معنى يتجاوز المشاركة في مناسبة احتفالية، إذ عبّرت عن ذلك بقولها، "هذا التخرج يعني لنا الكثير، لنعاهد الإمام بأننا على النهج نفسه الذي ضحّى من أجله".

مبينة، "كانت رحلتي إلى كربلاء فرصة ثمينة بالنسبة إلي، فوجودي هنا والمشاركة في هذا الحفل يعنيان لي الكثير، خصوصاً أنني جئت لأحتفي بإنجازي العلمي في رحاب مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام".

وتضيف، "لقد كان لهذه المشاركة معنى خاص، لأنها أتاحت لي أن أكون بين طالبات يحملن أهدافاً وقيماً مشتركة، وأن أعيش أجواءً إيمانية مختلفة".

وتكمل الطالبة بيان، "كانت دراستي الجامعية في الجامعة اليسوعية مرحلة مهمة من حياتي، والتخرج ثمرة سنوات من الجد والاجتهاد".

معربة، "لذلك فإن مشاركتي في هذا الحفل تمثل بالنسبة لي تتويجاً لتلك المرحلة، وفرصة للاحتفاء بما حققته علمياً، واستحضار المسؤولية التي تنتظرني في المرحلة المقبلة".

desc-75de0987f11db13c.jpeg

وتشير بيان إلى، أنّ "أكثر ما يميز هذه التجربة هو اجتماع طالبات من بلدان ومحافظات مختلفة في مكان واحد، تَجْمعهُنّ المحبة والقيم المشتركة".

موضحة، "حفل التخرج هذا يعني لي الكثير، لأنّه يمثل عهداً للإمام بأن نبقى على النهج الذي ضحى من أجله، وهذا المعنى هو أكثر ما يمنح مشاركتي قيمتها".

أما زهراء هاني صخر، خريجة كلية التمريض في جامعة وارث الأنبياء، فقد حملت إلى الحفل أمنيةً رافقتها منذ المرحلة الأولى من دراستها الجامعية؛ إذ كانت ترفض تنظيم أي احتفال بتخرجها قبل أن تتاح لها فرصة الوقوف ضمن خريجات بنات الكفيل.

وتروي زهراء أنها كانت تتطلّع إلى هذه المشاركة طوال سنوات دراستها الأربع، حتى إنها لم تشارك في احتفالات تخرج سابقة، متمسكة بأمل أن يكون احتفاؤها بشهادتها في هذا المكان.

وتربط زهراء أمنيتها بعهد قطعته على نفسها مع أبي الفضل العباس عليه السلام، مستحضرة العبارة المنقولة عن الإمام الباقر عليه السلام في وصف عمّه العباس، "نافذ البصيرة"، وهي الكلمات التي كانت ترددها كلما زارت مرقده، سائلة إيّاه أن ينير بصيرتها بالعلم والمعرفة، حتى وجدت نفسها في المكان الذي طالما تمنت الوقوف فيه.

desc-9db1db1cccac85ab.jpeg

العتبة العباسية المقدسة

وخلف هذه اللقاءات والقصص، كانت العتبة العباسية المقدسة تهيّئ فضاءً يجمع الخريجات من محافظات العراق وبلدان مختلفة، ويمنحهن فرصة الاحتفاء بسنوات التحصيل العلمي في أجواء تجمع بين البعد الأكاديمي والقيم الدينية.

فقد نظمت شعبة مدارس الكفيل الدينية النسوية التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة المقدسة فعاليات الحفل الختامي لدفعة بنات الكفيل الحادية عشرة، على مدى يومين، تحت شعار (من نور فاطمة -عليها السلام- نضيء العالم)، بمشاركة 6450 طالبة من 14 محافظة عراقية و7 دول عربية وإسلامية.

ولم تقتصر جهود العتبة المقدسة على إقامة مراسم التخرج وفقراتها، بل امتدت لتشمل استقبال المشاركات وتهيئة متطلبات إقامتهن وخدمتهن؛ إذ أشارت سبيكة إلى توافر السكن والمأكل والمشرب والخدمات الطبية، فضلاً عن وجود الملاكات الإعلامية التي وثقت هذه اللحظات بالصور والمشاهد، بما أتاح للخريجات الاحتفاظ بذكريات مشاركتهن.

وكانت هذه الجهود جزءاً من منظومة تنظيمية استهدفت استيعاب الأعداد الكبيرة من الطالبات والوفود المشاركة، وتوفير الأجواء المناسبة لهن، فيما لم تكن جميع المتقدمات قادرات على الحضور؛ بسبب محدودية الطاقة الاستيعابية للحفل، بحسب ما أوضحته زهراء هاني صخر، التي أشارت إلى وجود آلاف الطالبات اللواتي تقدمن للمشاركة ولم تشملهن قوائم الحضور.

وشهد الحفل حضور المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، والأمين العام السيد مصطفى مرتضى آل ضياء الدين، إلى جانب عدد من الشخصيات الرسمية والأكاديمية، وتضمّنت فعالياته كلمات رسمية وأكاديمية، وفقرات فنية وثقافية، من بينها أنشودة (العقل الواعي)، وفقرة (كفاح ونجاح)، وفيلم وثائقي بعنوان (أقوى من القضبان)، فضلاً عن القصائد الشعرية.

desc-757f2051bec042f0.jpeg

شهادة تتجاوز حدود صاحبها

وفي واحدة من القصص التي استحضرها الحفل، حضرت تجربة الطالبة آية توفيق، التي واصلت مسيرتها العلمية رغم فقدان والدها والظروف المادية الصعبة التي واجهتها، بعد أن تكفّل المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة السيد أحمد الصافي بدعمها، لتتمكّن من مواصلة دراستها وتحقيق طموحها بالحصول على شهادة الدكتوراه.

ولم تتوقف حكاية آية عند تجاوز ظروفها وتحقيق حلمها، بل امتدت إلى عهد قطعته على نفسها بأن تجعل عيادتها المستقبلية ملاذاً للفقراء والمحتاجين، في صورة تعكس كيف يمكن للدعم الذي يتلقاه الإنسان أن يتحول لاحقاً إلى عطاء يقدمه للآخرين.

وعلى امتداد الحفل، حضرت هذه المعاني في كلمات الوفود المشاركة، التي رأت في المناسبة فرصةً للالتقاء على قيم العلم والمعرفة والمسؤولية الاجتماعية.

وأكّدت ممثلة الوفود السيدة جمانة ياسر، أن التخرّج ليس نهاية مسيرة المعرفة، بل بداية مرحلة جديدة من المسؤولية والعطاء، مشيرة إلى أنّ "العلم أمانة ينبغي ترجمتها إلى عمل يخدم الإنسان ويبني المجتمعات".