image alt

حفظ الفكر العلوي وترسيخ القيم.. قصة دار نهج البلاغة

حفظ الفكر العلوي وترسيخ القيم.. قصة دار نهج البلاغة


يقلّب الدكتور "لواء العطية" صفحات كتاب نهج البلاغة متأملًا معانيه، منبهرًا بما يحوي هذا السِفر العظيم من درر الحكم، وما يقدّمه من أسس لبناء الإنسان وبناء شخصيته.

معلقًا، "للكتاب أبعادٌ متعددة؛ فهو يقدّم قواعد راسخة في الأخلاق والآداب الإسلامية، ويعالج البناء النفسي والاجتماعي، فضلًا عن بُعدٍ إداري يضع أسس الإدارة المتكاملة، وبعد سياسي يقدم نظامًا عمليًا لإدارة الدولة".

ويضيف الدكتور العطية الذي يشغل مهمة إدارة دار علوم نهج البلاغة في العتبة العباسية المقدسة، "إنّ السياسة التي رسمها الإمام علي (عليه السلام) تقوم على العدل الخالص من دون مناطق رمادية، وهو ما يتضح في نهجه السياسي كما ورد في نهج البلاغة".


 ويضيف، أنّ الإمام في معركته مع الخوارج لم يحتجّ عليهم بالقرآن لأنّه حَمّال ذو وجوه، بل احتجّ عليهم بالسنة، وقاتلهم على أساس التأويل لا التنزيل.


كتاب نَهْجُ البَلاغَة، هو مَجموعَة مِنْ الخُطب، والرسائِل، والحكم القصيرة، جمعها الشريف الرضي(رحمة الله عليه) أحد علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي).


وعُرف الكتاب بفصاحةِ معانيه، وجزالة ألفاظه، ورفعة مقاصده، حتى غدا تحفةً أدبيةً وفنيةً سامية، تعجز العبارة عن الإحاطة بجمالها، وتعجز الأقلام عن استيفاء بيانها

ويشير الدكتور العطية أنّ، "نهج البلاغة نُقِل عبر أكثر من رواية، وأبرز من نشره السيد المرتضى المرعشي في القرن السابع الهجري، إذ كان له دور في إدخال الكتاب إلى اليمن".


تأسيس الدار


يبيّن الدكتور العطيّة أنّ فكرة تأسيس دار يختص بعلوم نهج البلاغة جاءت بعد دراسة متكاملة قُدّمت إلى العتبة العباسية المقدسة، تضمّنت تصوّرًا واضحًا لإنشاء مؤسسة علمية تُعنى بهذا الكتاب".

ويضيف أنّ تلك الدراسة وضعت رؤية شاملة لتأسيس مؤسسة تهتمّ بكتاب نهج البلاغة على مستويات البحث، والتحقيق، والتدريس، والتعليم، والتحفيظ، لتكون مرجعًا علميًا جامعًا لكلّ ما يتصل به.

يضيف الدكتور لواء العطية أنّ الدار انطلقت لتحقيق أهداف سامية، تتمثّل في نشر الثقافة العلوية المجتمعية، وإحياء ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام)، وترسيخ معاني نهج البلاغة في وجدان الفرد والأسرة والمجتمع، وتحويلها إلى فكر وسلوك حيّ.


وتسعى الدار أيضاً إلى بناء الإنسان النوعي عقيدةً وفكرًا وقيمًا، عبر استنطاق تراث الإمام علي (عليه السلام) وفق مناهج علمية رصينة، ونقل مضامينه من حيّز التنظير إلى فضاء التطبيق في برامج ثقافية وتنموية، تعزز الوعي السياسي والأخلاقي، وتبرز النموذج العلوي في الحكم وبناء الدولة العادلة.

كما تعمل الدار على مدّ جسور التعاون الأكاديمي والحوزوي، وتشجيع البحث العلمي في الفكر العلوي، وإثراء المكتبة الإسلامية برسالة إنسانية حضارية قادرة على مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة وصناعة وعي مجتمعي أصيل ومتوازن.


ويرى الدكتور العطية أنّ "رسالة الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر تمثّل رؤية متكاملة للتفكير السياسي والتخطيط الاستراتيجي لبناء الدولة العادلة، لم تكن موجهة لمالك وحده، بل لكلّ قائد ومسؤول في مختلف الأزمنة".


نشاطات دار علوم نهج البلاغة


أطلقت العتبة العباسية المقدسة دار علوم نهج البلاغة وأدرجت ضمن نشاطاتها سلسلة من الفعاليات العلمية والثقافية، كان أولها الملتقى الأول لحفظة نهج البلاغة بمشاركة 144 حافظًا وحافظة، وذلك بعد أسبوعين فقط من التأسيس، ثم تلت ذلك ندوات تخصصية عن الكتاب وتحقيق بعض رواياته.


يوضّح الشيخ محمد الراشدي، أحد أساتذة الدار "أنّ دار علوم نهج البلاغة تمثّل تشكيلًا مؤسساتيًا جديدًا تابعًا لمجلس إدارة العتبة العباسية المقدسة، يُعنى بكلّ ما يرتبط بنهج البلاغة من تحقيق، وإقراء، وتحفيظ، وبحوث علمية".


ويضيف، "انطلقت الدار إيمانًا بأهمية هذا السِفر العظيم، وشرعت بتنفيذ مشاريع متنوّعة تستهدف شرائح مختلفة من المجتمع، منها، مشروع بناء الإنسان وتقويم اللسان، وهو مخصص للإخوة المنتسبين".


ويؤكد الشيخ محمد الراشدي على أنّ الدار اعتمدت أسلوبًا يجمع بين التحفيظ وشرح النكات اللغوية والبلاغية ومقاصد النصوص.


يشير إلى "أن الفصل الدراسي في الدار يمتدّ على ثلاثة أشهر، بواقع درس أسبوعي كلّ خميس، يُختتم باختبار وحفل تخرج وتكريم للمشاركين".


ويتابع، "كما أطلقت الدار دورة تخصصية في صناعة الخطاب على هدي نهج الخطابة، وهي موجّهة للخطباء والمبلّغين وطلبة العلوم الدينية، والنشاط الإعلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تحقيق شروح نهج البلاغة".


ويرى الشيخ محمد الراشدي أنّ الدار تركّز على الارتقاء بالمستوى العقدي والأخلاقي، والمعرفي للمجتمع، بهدف إنشاء جيل مؤمن يحمل الثقافة العلوية قادر على مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية المحيطة به.


موضحًا، "تركّز الدار على استثمار الطاقات الشبابية لتوجيهها التوجيه الصحيح، فضلًا عن إعداد قادة فاعلين يستلهمون شخصيات رائدة مثل مالك الأشتر، عن طريق التركيز على عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك".

مبينا، "أن الدراسة تعتمد على طريقتين رئيسيتين: الطريقة الحضورية، يوم الخميس في كربلاء، وبقية الأيام في محافظتي ذي قار والنجف الأشرف، والطريقة الإلكترونية، وتستهدف شريحة المكفوفين في المحافظات العراقية عبر تحفيظ النصوص بنظام البصمة الصوتية، بالإضافة إلى مجموعات أخرى من الذكور والإناث الذين يواصلون الحفظ إلكترونيًا".


التضييق ومنع التداول إبّان الحكم البعثي


يشير الدكتور لواء العطية إلى أنّ "الحكم البعثي البائد كان يستشعر الخطر من رجال الدين وطلبة العلوم الدينية، فمارس تضييقًا شديدًا عليهم، خصوصًا في مجالات التعليم الديني، ومنع الكتب الدينية والمنهجية".

مضيفا، "كتاب نهج البلاغة لم يكن متداولًا بشكل واسع آنذاك، حتى في الأوساط العلمية، إذ لم يُسلط عليه الضوء كما ينبغي؛ ولذا لم يُمنع بصورة مباشرة، بقدر ما تعرّض للتهميش والإغفال".


بدوره ينقل الشيخ هاني الربيعي، أستاذ التحفيظ في دار علوم نهج البلاغة، قصة واقعية في تلك الحقبة، إذ كان – بسبب الخوف من ملاحقة السلطة- يكتب مقاطع من نهج البلاغة على أوراق صغيرة يضعها في جيبه، ليقرأ منها خفية في أوقات الفراغ وأثناء الذهاب إلى المجالس، تفاديًا للاعتقال.


فيقول، "كنتُ أقول في نفسي، حتى لو فتّشوني وعثروا على هذه الأوراق، فلن يفقهوا معانيها، ولن يدركوا أبعاد تلك الكلمات الرفيعة التي تتضمنها؛ فهي أسمى من مداركهم، وأرقى من لغتهم المبتذلة. ومع ذلك، لم يكن قلبي ليطمئن، فقد كنت أشعر بتوجّس وخوف دائم منهم؛ فهم لا يرحمون ولا يعرفون معنى الفكر ولا قيمة الكلمة".