image alt

الذكاء الاصطناعي ومساعِ العتبة العباسية المقدسة

الذكاء الاصطناعي ومساعِ العتبة العباسية المقدسة

يدرك حيدر الشامي معاون رئيس قسم التطوير والتنمية المستدامة في العتبة العباسية المقدسة، أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي بات تحديًّا حقيقيًّا يتطلب فهمًا عميقًا واستعدادًا مؤسسيًّا مدروسًا.


فبينما يتسابق العالم لتوظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، كانت العتبة العباسية تخطو بثقة نحو هذا العالم الجديد، واضعةً نصب عينيها هدفًا واضحًا، هو أن تكون من المؤسسات الرائدة في إدماج الذكاء الاصطناعي في العمل الديني والثقافي والخدمي.


إذ يقول الشامي، "أولت العتبة العباسية اهتمامًا واسعًا بتقنيات الذكاء الاصطناعي، فبدأنا منذ عام 2023 بتنظيم دورات تدريبية متخصصة، شملت أساسيات البرمجة بلغة (Python) و (Deep Learning)

بالتعاون مع أكاديميين من دول عربية، اذ عقدت الدورة الأولى بالشراكة مع الدكتورة ندى المصري من جمهورية لبنان المختصة في مجال الذكاء الاصطناعي".


 ويضيف، "في ختام كلّ دورة كان المتدربون ينفذون مشاريع تطبيقية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي".

ويوضّح، "خرجت الدفعة الأولى من الدورة بعدد ١٦ طالبًا، ومن ثم حرصنا بالتعاون مع مركز حقيبة المؤمن على تطوير فريق متخصص في الذكاء الاصطناعي، ونحن حاليًا بصدد برمجة موديل الذكاء الاصطناعي لقراءة خطوط اليد، بهدف تسخيره في قراءة المخطوطات التراثية، تحت إشراف خبرات عالمية وأيدي مبرمجي العتبة".


ويشير إلى أنّ، "العتبة عقدت أيضًا مجموعة من الدورات التثقيفية لتعريف المنتسبين بكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي".

مبيّنا أنّ، "أهمية الذكاء الاصطناعي تتجلى في كونه لغة العصر، لذا نسعى لمواكبة هذا الجانب الحيوي، مع الطموح إلى إنشاء فريق أكبر، وخوض تجارب أكثر نضجًا، وإدماج الذكاء الاصطناعي في محاور وأقسام العتبة المقدسة كافّة".


رؤية العتبة العباسية المقدسة لمواكبة العصر والتطور


تسعى العتبة العباسية المقدسة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في كلّ مفصل من مفاصل أقسامها ابتداءً من قسم التطوير والتنمية المستدامة، لتعميم هذه التجربة على كافة الأقسام، إذ يتركّز عمل قسم التطوير على تدريب الملاكات والإشراف على أي مشروع تطويري، إضافة إلى متابعة ملفات مهمة مثل التنمية المستدامة، وتقييم أداء المنتسبين، وإدارة أكاديمية التطوير الإداري.

من جانبه يلفت الشامي، "الجانب المظلم للذكاء الاصطناعي لا يمكن تجاهله، فالتكنولوجيا لها جانب إيجابي وآخر سلبي، ويكمن الخطر عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي لأغراض كتسريب المعلومات وغيرها".  

وفي هذا الصدد تشير الدكتورة ندى المصري، المختصة في الذكاء الاصطناعي إلى أنّ، "الدورات تحظى بحماس المتدربين ورغبتهم في تعلم كل جديد في هذا المجال".


وتضيف، "حرصت على أن تكون المحاضرات عملية وتفاعلية، مع ربط النظريات بالتطبيق العملي على برامج الذكاء الاصطناعي، وبفضل هذا الأسلوب، تمكِّن المتدربين من استيعاب المفاهيم بسرعة وتحويلها إلى مشاريع تطبيقية ملموسة".


مبيّنة، "إنّ تعاوننا مع قسم التنمية والتطوير في العتبة العباسية ساعد على توفير بيئة تعليمية محفزة، إذ يمزج التدريب بين الجانب الأكاديمي والخبرة العملية، ممّا يعزّز مِن قدرة كلّ متدرّب على استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية داخل الأقسام المختلفة".


تاريخ الذكاء الاصطناعي


ويرى الشامي، "ان الذكاء الاصطناعي ليس وليد اللحظة بل يعود تاريخه إلى منتصف القرن العشرين".

وفي السنوات التي تلت ذلك تقدّمت أبحاث الذكاء الاصطناعي بسرعة وطوَّر الباحثون عدة تقنيات مثل التفكير الرمزي والأنظمة الخبيرة لتمكين الآلات من اتخاذ القرارات وحل المشكلات بناءً على القواعد والمعرفة، وفي الثمانينيات ظهر التعلّم الآلي نهجًا جديدًا للذكاء الاصطناعي والذي سمح للآلات بالتعلم من البيانات وتحسين أدائها بمرور الوقت.

على الرغم من التقدم الكبير، ولكنّه واجه الذكاء الاصطناعي انتكاسات عدّة في التسعينيات بسبب القيود التقنية وخفض التمويل، ومع ذلك استعاد هذا المجال الزخم في القرن الواحد والعشرين؛ وذلك بفضل توفر كميات كبيرة من البيانات وموارد الحوسبة القوية، واليوم يُستخدم الذكاء الاصطناعي في مجموعة واسعة من التطبيقات مثل التعرف إلى الصور والكلام؛ لذلك سيكون مستقبل الذكاء الاصطناعي حافلًا بالفوائد، وسَتَتَعَدّد بمرور الوقت مجالاته.


هل ساهم الذكاء الاصطناعي في تطور العمل نحو الأفضل؟


كان الوصول إلى المعلومة يحتاج لوقت، وقراءة، وإلى مقارنة مصادر، وبناء سياق، أمّا اليوم، فهناك توقّع بأن تكون الإجابة فورية وقاطعة، ولا لبس فيها.


ويحذّر ما يصفه بـ "الكسل المعرفي"، إذ تقلّ الرغبة في الفهم؛ لأنّ كلّ شيء أصبح في المتناول، ولكنّه ليس بالضرورة أن يكون صحيحًا، ويُبنى عليه الفهم.


من جانبه يقول براق أحمد، أحد المنتسبين الذين تميزوا في الدورة الخاصة بالذكاء الاصطناعي التي نظّمها قسم التطوير والتنمية المستدامة، "كانت الدورة فرصة لاكتشاف قدراتي، ومع الدعم والتوجيه الذي تلقيناه، نُقِلنا من قسم إلى آخر حيث المكان الذي يتناسب مع مهاراتنا. هذا التحرك ساهم في زيادة إنتاجيتنا وإتقاننا للمهارات الجديدة".


ويضيف، "لقد تعلمنا أنّ الذكاء الاصطناعي ليس فقط أداة تقنية، بل هو وسيلة لتطوير العمل وتحسين الأداء، وهو ما جعلنا متحمسين لتطبيق ما تعلمناه في مشاريع فعلية داخل العتبة".

ويتفق معه أحمد مهدي منتسب في مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة ويقول، "الدورة ساعدتني على اكتساب مهارات جديدة، مما مكنني من تطوير طرق التعامل مع المخطوطات التراثية باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأعمل على تطبيق هذه المهارات بشكل يومي، وهو ما يعكس أثر التدريب العملي الذي تلقيناه".


مبينا، "التجربة أثبتت لي أنّ التعلّم المستمر واكتساب مهارات جديدة يمكن أن يفتح أبوابًا لمناصب ومسؤوليات أكبر، مع إمكانية الإسهام في تطوير العمل المؤسسي بشكل ملموس".

وهكذا تمضي العتبة العباسية المقدسة بخطى واثقة نحو مستقبل رقمي، يوازن بين الإيمان والمعرفة، وبين الإنسان والتقنية.