image alt

مفاقس الكفيل.. خطوة نحو الاكتفاء الوطني ودعم الاقتصاد

مفاقس الكفيل.. خطوة نحو الاكتفاء الوطني ودعم الاقتصاد

هل تساءلت يومًا كيف يمكن للصحراء أن تتحول إلى واحة إنتاجية تسهم في سد حاجة السوق المحلية من دجاج المائدة؟

 في الجنوب الهادئ من مدينة كربلاء المقدسة، وعلى مبعدة 15 كيلومترًا نحو النجف الأشرف، تمتد رقعة من الأرض كانت فيما مضى تشبه الصحراء إلى حدٍّ بعيد، تذروها الرياح، لم يكن هناك سوى الرمال، وأفق يبدو بلا نهاية.


وما أن اتخذت العتبة العباسية المقدسة قرارًا طموحًا بإحياء هذا المكان المهجور، حتى دارت فيه عجلة إنتاج مثمرة وأصبح يضج بالحركة المنتجة.

 هكذا بدأت قصة مشروع مفاقس الكفيل، وبعد سنوات من الجهد الدؤوب منذ أن بدأ المشروع في 2016.


في صباح هادئ من صباحات ديسمبر، وقف، مدير المشروع، المهندس علي مزعل بين موظفيه أمام هذا الصرح الإنتاجي المبهر.

يتفقد سير العمل بعناية وتأنٍّ "تأكدوا من أنّ كلّ شيء يسير بسلاسة"، قال علي لموظفيه بابتسامة مملوءة بالود والتفاني، توحي نظراته إصرار على المواصلة وتحقيق المزيد.

يضم مشروع مفاقس الكفيل ستة مفاقس مجهزة بأحدث المكائن والتقنيات، تُنتج أفراخ دجاج تسهم في سد نسبة من حاجة السوق المحلية لدجاج المائدة.


المشروع جزء من الأنشطة الاقتصادية لشركة الكفيل للاستثمارات العامة في العتبة العباسية، المتخصصة في مجال التطوير الاقتصادي والتنموي في العراق، تأـسست في 2009.

كانت المكائن الحديثة، وهي نرويجية المنشأ، تعمل بدقة وانتظام عاليين لتضمن الحفاظ على جودة الإنتاج بشكل مستمر.

يقول المهندس علي مزعل بثقة واضحة بين ثنايا كلماته، "المشروع هو الأكثر نشاطًا وإنتاجًا في شركة الكفيل للاستثمارات العامة".

مُكملًا، "بدأنا بإنتاجية قليلة ونقص في الكوادر، واليوم وصلنا إلى إنتاج أكثر من 19 مليون من أفراخ الدجاج في السنة."

لقد أصبحت مفاقس الكفيل مصدرًا لتوفير صغار الدجاج لأصحاب حقول الدواجن القريبة ممن كانوا سابقا يتعرّضون لخسائر كبيرة بسبب عدم قدرتهم لوجستيا على توفير ظروف مواتية لتفقيس البيض في حقولهم.

فعلى بعد بضع كيلومترات، كان ماهر طه، صاحب حقل الدواجن، ينتظر بشغف وصول الفراخ من مفاقس الكفيل.

وبينما كان يحدّثنا عن خططه لتوسيع حقله بما يزيد من كمية إنتاج الدجاج وتلبية الطلب المتزايد عليه في الأسواق، توقفت شاحنة كبيرة محملة بأقفاص الفراخ المُنتجة في مفاقس الكفيل.

شرع عمّال الحقل بتفريغ الشاحنة وإدخال الاقفاص بحذر إلى الداخل، واصل ماهر حديثه عن تجربته قائلًا، "تعرضت لخسائر فادحة بسبب الأمراض التي أصابت الفراخ وفشل تفقيس البيض، نتيجة عدم انتظام الرقابة البيطرية، والاعتماد على طريقة بدائية في التفقيس".


وحين استدار نحو شاحنة الأقفاص وهي تغادر الحقل بعد أن أُفرغت حمولتها، استعاد ذكريات مؤلمة عن خسائره قبل أنْ يجرب الاعتماد على ما ينتج في مفاقس الكفيل من فراخ الدجاج، ليقول وقد بدت على محياه ملامح الرضا، "لمست فرقًا واضحًا، إذ تراجعت نسبة الوفيات بين أفراخ الحقل، بعد هذه الخطوة".


يعاني العراق منذ عشرات السنين من نقص الإنتاج المحلي من الدجاج والبيض، بسبب السياسات الخاطئة والحروب وما تعرضّت له البلاد من نكبات وحصار اقتصادي، ما جعله سوقًا لما ينتج في دول أخرى بعد الانفتاح على العالم بعد 2003.


وتشير بعض التقديرات لمسؤولين حكوميين إلى أنّ العراق يستهلك سنويًا نحو مليون طن من لحوم الدجاج، تتوزع بين 200 ألف طن تنتج محليًا فيما يتم استيراد 800 ألف طن من الخارج.

وقد أسهم "الاستيراد الرخيص" بعرقلة نمو قطاع الدواجن في البلاد، كما أشار الى ذلك الخبير الاقتصادي محمد ناصر.


مشيرًا، "تدشين مشروع واعد كمفاقس الكفيل سيعزز ثقة المستثمرين المحليين ويمنحهم أملًا في استعادة السوق المحلية من قبضة الاستيراد".

وهو ما يعود برأيه، بالنفع على الاقتصاد الوطني، ويحمي العملات الأجنبية مما يسببه الاستيراد من استنزاف في هذا المجال.


غير أنّ منافع أخرى صحية تتحقق في سياق تنامي صناعة الدواجن محليا ترتبط بالصحة العامة، فطالما تعرضت كميات الدجاج المستورد من الدول الأخرى إلى ظروف تخزين غير ملائمة في طريقها الطويل نحو العراق، ما يعرّض مستهلكيها لخطر صحي.


لذا يحظى الدجاج المنتج محليًّا بإقبال من الزبائن المحليين، فمثلا في مطعم "ذوق شرقي" المشهور بتقديم أطباق شرقية تعتمد وجباته الأساسية على الدجاج المحلي الطازج، والمُصمم بأناقة، تتيح للزبائن الراحة والخصوصية.


وفيما كان طاهي المطعم منهمكًا بإعداد وجبة غداء باستخدام الدجاج المحلي، يشير علي سامي، صاحب المطعم إلى أنّ زبائنه يفضلون الدجاج المنتج محليًا على المستورد.


ويقول، "الجودة العالية للدجاج المحلي جعلتنا نتميز عن منافسينا الذين يعتمدون على الدجاج المستورد".


لا شك أنّ مشروع مفاقس الكفيل يمثل نموذجًا ناجحًا للمبادرات التنموية التي تستثمر الموارد المحلية في مواجهة التحديات الاقتصادية والصحية.


فمن أرض كانت تبدو مهجورة إلى صرح إنتاجي متكامل، أثبت المشروع القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاع حيوي كالدواجن.


وبينما تتزايد ثقة المستهلكين بالدجاج المحلي، تظلّ مثل هذه المشروعات بارقة أمل تعزّز الاقتصاد الوطني وتعيد الحياة إلى قطاعات عانت طويلًا من التراجع، لتؤكد أنّ الاستثمار المحلي هو المفتاح لبناء مستقبل مستدام.