وسط مدينة كربلاء، تمتد عشرات المنازل على ضفاف نهر الهنيدية في رحلته، حيث يقسم المنطقة السكنية على قسمين، كانت النوافذ المفتوحة لهذه المنازل تستنشق الهواء النقي قبل سنوات طويلة، لكن الحال اختلف منذ أن تعرض العراق للجفاف.
يعيش الستيني، أبو مهدي، مع أسرته في منزل ورثه عن أبيه، لكن الإرث العائلي تحول مع مرور السنوات إلى مصدر للإزعاج اليومي.
يقول أبو مهدي" في صغرنا، كنّا نفتح النافذة صباحًا لنستنشق الهواء النقي، لكنّ الروائح غير المحببة التي تنبعث من النهر القريب صارت تغزو نوافذنا طوال الوقت في السنوات الأخيرة".
ولا يتوقف الأمر على الروائح المنبعثة من النهر فقط، بل إنّ أسراب الحشرات والزواحف التي تغزو منازل المواطنين المحاذية للنهر تزيد الأمور سوءًا، خصوصًا في فصل الصيف إذ تتسبب بإزعاج كبير.
يُعدّ نهر الهنيدية من الأنهار التأريخية في كربلاء، وكان يُستخدم قديمًا لريّ المساحات الواسعة من البساتين وتَجري فيه المياه العذبة القادمة من نهر الفرات.
لكنّه، بفعل الجفاف الذي يعاني منه العراق والتوسّع السكاني تحول إلى نهر منعزل تتجمع فيه المياه الآسنة والحشرات، وقد فشلت المحاولات لتأهيله والتقليل من الأضرار البيئية التي يسببها للسكان.
ومع تفاقم الأزمة البيئية لنهر الهنيدية وتسببه بانتشار أمراض جلدية، خصوصًا بين الأطفال الذين يلهون قربه، بدأ الأهالي يطلقون نداءات متكررة للجهات المعنية بضرورة إيجاد حل لهذه المشكلة.
وتلخّصت بعض المطالبات في طمر النهر وتحويله إلى طريق معبّد، فيما طالب مواطنون آخرون بتغليفه وجعله نهرًا مخفيا لتجنب التلوث والانبعاثات الضارة منه، واستثماره لتوسعة الطريق المحاذية له.
يقول المواطن فاضل عزيز، أحد سكان المنطقة " للأسف لم تجد مطالباتنا طريقها للتنفيذ، بينما المشكلة أخذت بالتفاقم".
بعد هذا الكمّ من المعاناة، برز بصيص أمل مع تدخل العتبة العباسية المقدسة التي طالما كانت حاضرة في مشاريع تهم المواطنين.
فقد قررت التدخل لإنقاذ الأهالي والنهر من المشكلة البيئية، ومع ذلك، لم تؤيد العتبة العباسية المقدسة المطالب الخاصة بطمر النهر وإزالته وتحويله إلى طريق معبّد، كما لم تؤيد فكرة جعله نهرا مخفيا، لاعتقادها بأن هذا النهر هو من الملامح التاريخية لمدينة كربلاء ومرتبط بذكريات جميلة لأهالي المدينة.
وبدأت خطة التأهيل
شرعت العتبة العباسية بتنفيذ مشروع ضخم لإعادة تأهيل نهر الهنيدية، وكان المواطنون في المنطقة ومنهم أبو مهدي، يراقبون عملية تنظيف النهر وإزالة الرواسب الضارة منه باهتمام وتفاؤل ووصف بعضهم ذلك اليوم بـ "المبهج ".
فيما يشير، محمد حربي مدير مشاتل الكفيل في العتبة العباسية المقدسة إلى أن العتبة وضعت خطة تأهيل متكاملة للنهر على مرحلتين.
وقال إن "المرحلة الأولى اشتملت على التنظيف والتشجير وإنشاء شبكة السقي واستغرقت ثلاثة أشهر، "بينما ستشمل المرحلة الثانية إضافة الإنارة واستكمال أعمال التطوير".
لافتًا إلى، أنّ "بدايات العمل شهدت رفع مئات الأطنان من الرواسب، التي حُمِّلت بنحو 50 شاحنة نقل كبيرة مخصصة لهذا الغرض".
وتابع، "أعقب ذلك تجهيز شبكة ري متكاملة لتوزيع المياه بشكل عادل بين الأهالي، كما أصبح بإمكانهم الاستفادة من مياه النهر لسقي حدائقهم".
ولم تقتصر جهود العتبة العباسية على تنظيف النهر، بل امتدت لتشمل تحسين البنية التحتية للمنطقة، وزراعة الشتلات على جانبيه بشكل كامل.
بالإضافة إلى ذلك، صُبغت الأرصفة وتحسين أسيجة الجسور، وإنشاء جسور جديدة للمشاة والسيارات.
يصف أبو مهدي الجسور القديمة بأنّها كانت تشكل خطرًا على حياتهم، وأشار إلى أنّ الجسور الجديدة أكثر متانة وأمانًا.
وينتظر الأهالي اكتمال المشروع بفارغ الصبر، حيث سيكون النهر وجهة جميلة تليق بتاريخ كربلاء، ويأملون في القضاء التام على مشكلة التلوث التي كان يسببها النهر وتحويله إلى نهر زاخر بالحياة، لاسيما وأنّ العتبة العباسية المقدسة قد خصصت فريقًا دائمًا لمتابعته والإشراف عليه.