في يوم هادئ من أيام بغداد، جلس الكاتب والناقد الأدبي الدكتور سعدون الجبوري وأحد الروائيين من زملائه في مقهى قديم بالكرادة، يتناولان قهوتهما ويتحدثان بحماس عن مشروع اطّلعا عليه حديثًا عن طريق مواقع الإنترنت يختص بجمع التراث العراقي، ومنه النتاجات الأدبية للمؤلفين العراقيين، في موقع واحد والتعريف بها وبكتّابها.
قال الجبوري بابتسامة، "هذا الجهد يمثل نقطة تحول في توثيق الإرث الأدبي العراقي، أخيرًا، لدينا منصة تجمع أعمال المؤلفين بطريقة علمية ومنهجية".
أومأ صديقه برأسه وأضاف، "بالفعل، هذا المشروع يمنحنا شعورًا بالأمان بأنّ أعمالنا لن تندثر، وسيكون لهذا المشروع دور كبير في تعزيز مكانة الأدب العراقي على الساحة العربية والدولية".
المشروع الذي تحدث عنه الأديبان افتُتِحَ من قبل جهات فكرية وثقافية في العتبة العباسية، ويُشرف عليه مركز الفهرسة ونظم المعلومات، وسمّي" الملف الاستنادي للمؤلفين العراقيين".
وهو قاعدة بيانات وطنية متخصصة أُسِّست في 2018 تضم سجلات موثقة عن المؤلفين العراقيين في مختلف الحقول المعرفية.
يتضمن الملف معلومات دقيقة عن حياة المؤلفين، ومسيرتهم العلمية، ونتاجهم الفكري، ومؤلفاتهم المنشورة؛ بهدف توحيد الجهود المبذولة في هذا المجال، وتقديم قاعدة بيانات مرجعية تسهم في تسهيل عمليات البحث الأكاديمي، وتوفير معلومات موثوقة للباحثين والمهتمين.
ويضمّ موقع الملف نحو 26.600 ألف اسم، يشمل المؤلفين من القرن الأول للهجرة حتى الآن، وأكثر من 2314 مكتبة تشمل جميع أصناف الكتب من مكتبات متخصصة وعامة وجامعية ووطنية ومدرسية.
الملف خطوة رائدة
مدير مركز الفهرسة ونظم المعلومات، السيد حسنين أحمد الموسوي، قال، إنّ "الأدب العراقي زاخر بإبداعات المؤلفين الذين ساهموا في تشكيل الهوية الثقافية للعراق عبر العصور، ونحن ملتزمون بتقديم هذا الإرث بأسلوب علمي منظم يليق بتاريخنا العريق".
وقد لاقى المشروع ترحيبًا كبيرًا من الأوساط الأدبية والثقافية في العراق، فالكاتب والناقد الأدبي الدكتور سعدون الجبوري، أستاذ الأدب العربي في جامعة بغداد، قال: "لأوّل مرة نرى مشروعًا بهذا الحجم يُعنى بتوثيق إرث المؤلفين العراقيين بطريقة علمية ومنهجية".
بينما عبّر الروائي علي مهدي الكاظمي عن سروره بهذا المشروع قائلًا: "كمؤلف عراقي، كنت أتمنى دائمًا أن أرى مشروعًا يحفظ أسماء الكتّاب العراقيين وأعمالهم للأجيال القادمة".
مشيرًا إلى أنّ المشروع يمنح المؤلفين العراقيين شعورًا بالأمان بأنّ أعمالهم لن تندثر أو تُنسى، وأنّ هذه المبادرة ستفتح أمام الأدباء العراقيين آفاقًا جديدة لتقديم نتاجاتهم الأدبية في إطار أكاديمي موثوق.
مواجهة التحديات
ويبذل الفريق العامل جهودًا كبيرة للتغلب على تحديات واجهت المشروع مثل نقص الوثائق القديمة وصعوبة الوصول إلى بعض المصادر الأدبية التي تعود لعقود مضت بالتعاون مع المكتبات الوطنية والأكاديميين العراقيين، إضافةً إلى إطلاق حملات جمع وثائق من الأفراد والمؤسسات الثقافية.
تهدف هذه الحملة إلى الوصول للوثائق الخاصة بالنتاجات الفكرية والأدبية والثقافية النادرة التي بحوزة مالكيها؛ بهدف تصويرها وحفظ نسخ منها ونشرها.
ويخطط السيد الموسوي لتوسيع المشروع ليشمل الأدباء العرب الذين أقاموا في العراق أو نشروا أعمالهم فيه ليكون منصة إقليمية لتوثيق التراث الأدبي العربي.
ويمكن وصف "الملف الاستنادي للمؤلفين العراقيين" بالخطوة الهامة نحو حفظ ذاكرة العراق الأدبية وتوثيق إرثه الثقافي، وقد يكون حافزا لمشاريع ثقافية أوسع تعزز مكانة الأدب العراقي وتقدمه للعالم في إطار أكاديمي ومنهجي يليق بتاريخ هذا البلد العريق.
خطة التوثيق
يعتمد المركز في إعداد "الملف الاستنادي" على مجموعة من الخطوات التقنية والإجرائية لضمان دقة المعلومات وصحتها، وتشمل" جمع البيانات الأولية بالتعاون مع الجامعات، والمكتبات، ودور النشر العراقية، والتدقيق والتحقق من المعلومات عن طريق لجنة متخصصة، والتصنيف والمعالجة وفقًا للمعايير الدولية، والإدخال الرقمي باستخدام نظام إلكتروني متطور يتيح البحث المتقدم، والتحديث المستمر لقاعدة البيانات".
وبحسب القائمين على المشروع، فقد نجح المركز في توثيق آلاف الأسماء الأدبية والعلمية العراقية منذ إطلاقه، وأبرم اتفاقيات تعاون مع عدد من الجامعات والمكتبات الكبرى لتعزيز العمل التوثيقي وتوسيع نطاق المشروع.
ويطمح مركز نظم الفهرسة والمعلومات إلى توسيع المشروع ليشمل مجالات أخرى تتعلق بالإنتاج الثقافي العراقي، مثل توثيق المؤلفات الفنية والموسيقية، بالإضافة إلى إطلاق منصة رقمية تفاعلية تتيح للباحثين المساهمة في إثراء قاعدة البيانات وتحديثها بشكل مستمر.
ويُعدّ "الملف الاستنادي" من بين مواقع مهمة اختصت بجمع الإرث الثقافي والتوثيق للمؤلفين" واستُشهِدَ به في مؤتمر (أبو ظبي) كأول موقع علمي يتداول الأسماء العربية العراقية، وطلبت منا إدارة الموقع العالمي (ويكيبيديا) الانضمام إليه بعدما رأت نجاحاته" على حد قول السيد الموسوي.
وتم تنظيم أكثر من 40 ندوة تعريفية بالملف الاستنادي للتواصل مع المؤلفين، وشملت الندوات مؤتمرات ومكتبات وجامعات لتعريف المؤلفين بالمشروع وحثهم على الانضمام.
يشار إلى أنّ القائمين على المشروع يوجهون باستمرار دعوات لجميع المؤلفين والباحثين العراقيين لتشجيعهم على تسجيل أعمالهم في الملف الاستنادي للمساهمة في الحفاظ على التراث الفكري العراقي وضمان وصوله للأجيال القادمة بدقة واحترافية.