image alt

شعبان في كربلاء... أعياد بنكهة خاصة

شعبان في كربلاء... أعياد بنكهة خاصة

بِبهجةٍ يُزيّنها النشاط يعتلي رضا محمد أحد السلالم الحديدية المُتنقّلة ليثبّت مصابيح الزينة الملوّنة في أرجاء بناية مقام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)؛ استعدادًا لإحياء مناسبة تاريخية بالغة الأهميّة لدى المسلمين الشيعة في العراق والعالم على حدٍّ سواء.

إذ يُعدّ المقام الذي يحتلّ قدسية كبيرة في نفوس سكان المدينة والوافدين إليها من معالم مدينة كربلاء المقدّسة، تلك المدينة التي تحتضن مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس، وثلة من الصحابة والتابعين (عليهم السلام)، ممن استشهدوا في معركة الطف الشهيرة عام 61 للهجرة.

ويستقبل مقام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ملايين الزوّار سنويًّا، مما دفع الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة إلى إيلاء رعاية خاصة ببناية المقام؛ لتوفير أقصى درجات الراحة والانسيابية لزواره.

يقول رضا محمد الذي يعمل في المقام الشريف منذ عام 2006، "مع قرب شهر شعبان من كلّ عام نستنفر جهودنا لإحياء الذكرى السنوية لولادات الأئمة الأطهار".

مضيفًا، "وتُعدّ مناسبة الخامس عشر من شعبان ذكرى ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من أضخم المناسبات السنوية التي تُحيا في كربلاء عمومًا، وبناية المقام خصوصًا".

ويشهد المقام في شهر شعبان على وجه تحديد زيارة خاصة تُسمّى (زيارة النصف من شعبان)، الذكرى السنوية لمولد الإمام (عجّل الله فرجه)، إذ يَفِدُ إليه مئات آلاف الزوار من داخل العراق وخارجه.

والمهدي (عجّل الله فرجه) هو الإمام الثاني عشر لدى المسلمين الشيعة "الاثنى عشرية"، وُلد في مدينة سامراء المقدسة، قبل أن يتوارى عن الأنظار حتى هذا الوقت، بحسب اعتقاد المسلمين الشيعة.

وتقع موقع مقام الإمام المهدي شمال المدينة القديمة في محافظة كربلاء المقدسة، وتطلّ على كتف جدول الحسينية من الناحية الجنوبية.

وبحسب الباحث التاريخي جسّام السعيدي، يعود "تاريخ تشييد بناية المقام الشريف إلى ثلاثة قرون خلت".

موضّحًا، "البناية الحالية شهدت تطويرًا متعاقبًا على مراحل عِدّة، كانت الأولى في مطلع القرن العشرين، فيما كانت المرحلة الثانية في عام 1958، ثمّ أعقبه تطوير في عام 1970، وكذلك جرى تطويره عام 1991 أيضًا، في حين تولّت العتبة العباسية المقدسة تطوير بناية المقام بشكل مستمر منذ توليها إدارته عام 2003".

مضيفًا، "باتت مساحة بناية المقام الشريف بعد التطوير 1300 متر مربع".

ويبيّن أنّ أعمال تزيين عديدة يشهدها المقام الشريف لمناسبة الأعياد الشعبانية، قائلًا، "تشتمل واجباتنا في هذا الشهر بحسب توجيهات العتبة العباسية المقدسة نشر الورود في باحات وأركان المقام الشريف، إلى جانب تزيين عمارته بالمصابيح الملونة والنشرات الضوئية المزركشة، في تعبير عن السرور والفرح".

إلى ذلك يَصِفُ السيد عدنان نعمه الضعيّف، رئيس قسم المقام الزيارة الشعبانية، "أنّها زيارة غاية في الأهمية وذات بُعد ديني وروحي عميق".

ويقول، "ومع بداية شعبان، تتجلّى ولادات الأقمار المحمدية، إذ تتزامن هذه الأيام مع ولادة الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس، وعليّ الأكبر، والإمام زين العابدين عليهم السلام".

مبيّنًا، "هذه الولادات تشكّل تتويجًا روحيًا خاصًا لدى المسلمين، وتبلغ ذروتها في ليلة النصف من شعبان التي تحمل طابعًا روحانيًا استثنائيًا".

مشيرًا إلى، أنّ "شهر شعبان يُعرف بشهر رسول الله؛ لما يحمله من عبادات وأعمال روحانية كثيرة، ما يمنح الزيارة بعدًا إيمانيًا متكاملًا".

وعن حجم المشاركة، يؤكد رئيس القسم، أنّ "أعداد الزائرين تزداد عامًا بعد عام، ليس فقط من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، بل من مختلف الطوائف، بل وحتى من أتباع ديانات أخرى، يشاركون أهل البيت أفراحهم وأحزانهم".

ويقول السيد عدنان نعمه الضعيّف، إنّ "الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة أسّست قسمًا خاصًا لرعاية المقام الشريف".

ويضيف، "يضمّ قسم المقام الشريف أربع شعب يعمل فيها 130 منتسبًا".

مبيّنًا، "في زيارة النصف من شعبان يَنْضَمّ إلى ملاكات القسم أكثر من 300 متطوع؛ للمساهمة في خدمة الزائرين، بعد تلقّيهم تدريبات متنوعة".

ويكمل، "إذ يتوجّب في الزيارة التركيز على التنظيم والأمن والخدمات الطبية بالتعاون مع إدارتي العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية".

بدوره يشير الشيخ صلاح الخفاجي رئيس قسم الشؤون الدينية إلى أنّ ليلة النصف من شعبان ذُكرت في تاريخ الأنبياء، وقد وُصفت في الأخبار بأنّها ليلة مباركة.

لافتًا إلى، أنّ "بعض الروايات تجعلها في الفضل بعد ليلة القدر مباشرة، ويُنسب إليها تأويل بعض الأخبار التي تشير إلى أنّ فيها يُفرَق كلّ أمر حكيم، كما في ليلة القدر، مع الإشارة إلى وجود ليالٍ أخرى مُعظّمة في التراث الإسلامي، مثل ليلة النصف من رجب، إلّا أنّ شهر شعبان بأكمله يمتاز بخصوصية ومكانة عالية".

ويضيف، "شهر شعبان ازداد شرفًا بانتسابه إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، مستشهدًا بالحديث الشريف، "شهر شعبان شهري، رحم الله من أعانني على شهري".

ويتابع الشيخ الخفاجي، "كلّ ليالي هذا الشهر مباركة وجليلة لأنّها منسوبة إلى النبي، غير أنّ الله تبارك وتعالى شاء أن يزيد ليلة النصف من شعبان فخرًا وكرامة باقترانها بميلاد منقذ الأمة، الذي يأخذ بثأر الأنبياء ابتداءً من نوح (عليه السلام)، وثأر جميع الأنبياء والأولياء والأئمة، ولا سيما الطالب بدم المقتول بكربلاء".

ويبدو أنّ رضا محمد الذي انتسب إلى قسم المقام الشريف كان يحمل في قلبه ما ذهب إليه الشيخ الخفاجي في حديثه، فهو منذ سنوات يجتاز بوابة المقام مع كلّ صباح ليباشر مهامه.

تلك المهام التي تتجلّى في كلّ زاوية مزهرة، أو وردة مُعلّقة، وفي كلّ لون يبعث الطمأنينة في قلوب الزائرين.

فهو مؤمنٌ بعمله إذ يقول، إنّ "مهنته عبادة، وإنّ الجمال رسالة، وإنّ الوردة إنْ وُضِعت في مكانها الصحيح تستطيع أن تقول ما تعجز عنه الكلمات".

لذلك لم يكن يختار الألوان اعتباطًا.