يرتدي السيد سلمان ضياء الدين العمامة الخضراء (كشيدة) تميّزه عن باقي الخدام، وبحفاوة وترحيب يستقبل الزائرين الوافدين إلى كربلاء لإحياء ليالي شهر رمضان المبارك في موكب العتبة العباسية المقدسة ويقدم لهم الشاي العراقي الذي تفوح منها رائحة البركة.
موكب العتبة العباسية المقدسة أو موكب السادة الخدم كما يعرف والذي أُنشئ لغرض خدمة الزائرين الوافدين إلى كربلاء المقدسة لزيارة المرقدين الطاهرين في أيام شهر رمضان المبارك.
إذ يقول السيد سلمان ضياء الدين، المشرف على الموكب لهذا العام "نجهّز الموكب في المساء قبل الإفطار لتقديم الشاي وبعض الفقرات الأخرى للزائرين بعد الإفطار مباشرة".
ويشير السيد ضياء الدين ، "تقدّم شعبةُ السادة الخدم في العتبة العبّاسية المقدّسة بعض خدماتها لزائري مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) في ليالي شهر رمضان المبارك عبر هذا الموكب الخدميّ".
وتضطلع ملاكاتُ الشعبة بعددٍ من المهامّ الخدمية والعبادية داخل الصحن الشريف وخارجه، ضمن برنامجٍ متكامل أُعِدّ لإحياء أيام وليالي شهر رمضان المبارك، بما يلبّي احتياجات الزائرين ويوفّر لهم أجواءً إيمانية.
وتشهد العتبتان المقدّستان الحسينية والعباسية توافدًا غفيرًا للزائرين من داخل العراق وخارجه، للتشرّف بالزيارة والدعاء وأداء أعمال ليالي شهر رمضان المبارك، بجوار المرقدَينِ الطاهرَين، اذ يُحيي الزائرون الليالي المباركة من الشهر الفضيل بأداء الصلاة وقراءة الأدعية، وزيارة المراقد المشرفة لأهل البيت (عليهم السلام) وإقامة المحافل القرآنية.
وتستنفر ملاكات العتبة العبّاسية المقدّسة جهودها لاستقبال الزائرين الوافدين إلى مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، عبر توفير خدماتٍ عِدّة، منها توفير أماكن خاصة للصلاة والدعاء في الصحن الشريف ومحيط العتبة المقدّسة.
ويعود تاريخ هذا الموكب إلى ما قبل الخمسينيات من القرن الماضي وما زال يمنح عطاياه بين الماضي والحاضر.
ويروي السيد هاشم الشامي، مسؤول السادة الخدم تاريخ الموكب التراثي قائلًا، "كان الموكب يُفتح داخل الصحن الشريف بعد الإفطار، وتبقى مواقده المتوهجة وأباريقه الكبيرة تقدم الشاي حتى وقت السحر طيلة ليالي شهر رمضان المبارك، في مشهد ظَلَّ حاضرًا حتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي، حيث توقف مع وصول الحكم البائد الذي مَنَعه آنذاك".
مبينًا، "قيمة عطاءات وخدمات الموكب ليست مادية بقدر ما هي معنوية وروحية، إذ يرتبط بخدمة أبي الفضل العباس (عليه السلام)، لذلك يقصده الزائرون طلبا للشفاء والبركة وقضاء الحوائج".
ويسترسل، وبعد سقوط النظام البائد عام 2003م وتوافد الاعداد الكبيرة من الزائرين الكرام فقد استعاد الموكب نشاطه متخذا موقعه الجديد بالقرب من باب الكف قبل أن يستقر حاليا مقابل باب قبلة العتبة العباسية المقدسة".
ويتابع، "لا يزال الموكب محافظًا على برنامجه اليومي بعد الإفطار متمثلا بتقديم الشاي مع بعض المعجنات والحلويات كالمحلبية (الحريرة) حتى وقت السحور".
موضحًا، "الموكب يقدّم يوميًّا حوالي ألفي قدح من المحلبية، ويرتفع عددها في ليالي الجمعة إلى أكثر من 4000 قدحٍ، إضافة الى حوالي عشرين ألف كوب شاي يعمل على تقديمها منتسبو السادة الخدم الذي يتوزعون على وجبتين في كل منهما خمسة عشر منتسبا تقريبا".
أحد الزائرين يصف الموكب بأنّه محطة طمأنينة بعد الإفطار، فيما يرى آخر أنّ طعم الشاي هنا مختلف لأنّه ممزوج بالخدمة والنيّة الصالحة، ويؤكد ثالث أنّه يحرص على المجيء كل عام لأنّ المكان يحمل روحية وذاكرة تراثية.
وقد عبّر عدد من الزائرين عن سعادتهم بهذه الأجواء الخدمية التي تعكس عمق الكرم الكربلائي وروح التطوع في خدمة الوافدين إلى العتبة العباسية المقدسة.
وفي أحاديثهم أشاد الزائرون بحسن التنظيم وسرعة التقديم، مشيرين إلى أنّهم يحرصون على التواجد عنده كل عام طلبا للبركة واستذكارا لروح الخدمة.
فيصف الزائر الحاج حيدر فاضل الموسوي من محافظة ذي قار الموكب بأنّه محطة تعبق برائحة الماضي، فيقول، "كنت اقصده في سبعينيات القرن الماضي عندما كان داخل الصحن العباسي الشريف وما زلت اقصده لأنّه يذكرني بماضٍ لا يُنسى".
مؤكدًا، "استمرار هذه الخدمة منذ خمسينيات القرن الماضي يمنحها قيمة تراثية كبيرة".
ويبدي الزائر علي حسن الكعبي من العاصمة بغداد رأيه، "كوب الشاي هنا لا يشبه بأي مكان آخر، فأنا في موكب تابع لصاحب الجود والكرم أبي الفضل العباس (عليه السلام)".
ويضيف، "هذه الخدمة تعكس أصالة وكرم العتبات المقدسة في إكرام الزائرين".
أمّا الزائر محمد جاسم التميمي من محافظة بابل فيوضح، "الموكب يمثل صورة حيّة للتكافل والعمل المنظم، لاسيما ان أعداد الزائرين الكبيرة لا تؤثر في انسيابية التوزيع وسرعة تقديم المشروبات والحلويات".
ويشير إلى، "أنّه يشعر بالطمأنينة بالأجواء الإيمانية التي تحيط بالمكان تدفعه للعودة إليه في كل عام مع عائلته وأصدقائه".
ولا تقتصر خدمات الموكب على شهر رمضان فقط، إذ يفتح في عدد من المناسبات الدينية الأخرى ، بينما يتحول في زيارة اربعينية الامام الحسين عليه السلام إلى محطة كبرى لإرواء الزائرين الكرام بالعصائر الطبيعية وقد وصل عدد الاقداح المقدمة في الأعوام الماضية إلى حوالي مليون ونصف المليون قدح ، من عصير الليمون والزعفران وشراب ورد الكجرات المعروف بفائدته للجسم.