حين أرخى الليل ستاره على مدينة كربلاء المقدّسة في ليلة اليوم الحادي عشر من محرم الحرام، تغيرت ملامح المدينة بالكامل، خفتت الأنوار الجليلة، وصمتت الطبول التي ملأت الأيام الماضية صخبًا.
لقد حلّ محلّها سكينة مهيبة لا يقطعها إلّا صوت النحيب الخافت، إنّها ليلة الشموع أو ليلة "الوحشة"، الليلة التي يواسي فيها ملايين الأطفال والنساء والرجال عقيلة الطالبيين في أشدّ ساعاتها غربة ولوعة.
الليلة التي أعقبت يوم العاشر من محرم الحرام عام 61 للهجرة، بعد انتهاء معركة كربلاء ومقتل الإمام الحسين بن علي عليهما السلام وأهل بيته وأصحابه.
تكتسب هذه الليلة خصوصية مأساوية استثنائية، إذ تمثّل التحول من جهة الحرب والقتال إلى واقع الأسر واللجوء، وتتجلّى فيها مصائب عقيلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وسط أجواء الخوف والحزن والظلام الدامس في صحراء كربلاء.

حين بقي أطفال ونساء آل رسول الله بلا مأوى، يفترشون صحراء كربلاء الموحشة بعد حرق خيامهم.
في هذه الليلة تُطفأ المصابيح الرئيسة في العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية ومنطقة بين الحرمين الشريفين، ومعظم أضواء المباني والمحال التجارية والمساكن في المدينة القديمة وأحياء مركز محافظة كربلاء المقدسة.
تحت هذا الظلام الدامس، تبدأ آلاف الشموع بالاشتعال تدريجيًّا لتتحول المدينة إلى بحر من النقاط المضيئة والمتحركة.

دموع وشموع
في عمارة المخيم الحسيني تجد العوائل والأطفال والزوار من كلّ حدب وصوب، قد افترشوا الأرض.
يمسك طفل صغير شمعة يقطر شمعها على يديه فلا يبالي، وعيناه تراقب أمّه وهي تبكي بحرقة مواساة للسيدة زينب الكبرى عليها السلام.

تقول أمّ أحمد (52 عاما) والدموع تسيل على وجنتيها وهي تثبّت شمعتها على رصيف ممتد نحو ضريح الإمام الحسين، "نأتي إلى هنا في كلّ عام لنشعل الشموع، نشعر وكأنّنا نضئ عتمة تلك الليلة التي عاشها يتامى الإمام الحسين عليه السلام".
مضيفةً، "نحن في نهار عاشوراء نُعلن الثورة والولاء والنصرة لسبط النبي الهادي المهدي، أمّا في هذه الليلة فنحن نأتي بصفة معزّين، نأتي لنواسي السيدة زينب ونقول لها، لو كنّا في ذلك الزمان، لما بقيت مستوحشة في هذه البراري".

على مقربة منها، شاب يوزع الشموع مجانا على الزائرين الوافدين من مختلف الجنسيات، العربية والإيرانية والهندية والأوربية، في مشهد يوضّح عالمية هذه الذكرى وتحوّلها إلى رمز إنساني لرفض الظلم والتعاطف مع الضحايا.
ولا سيما الأطفال منهم والنساء الذين يفترشون الأرض حول المخيم الحسيني ومناطق العزاء، يقوم الصغار بغرس الشموع في الرمل أو تثبيتها على حواف الطرقات، بينما تعلو القراءات والمراثي الحزينة التي تُبكي الحاضرين.
الحاج رضا الأصفهاني من أهالي أصفهان يصف لنا ملامح تلك الليلة، "تتحرك مواكب شموع ليلة الوحشة بانسيابية عالية وهدوء، دون مكبرات صوت صاخبة، تتقدمها شموع ضخمة تعبيرًا عن الحزن العميق، يرافق تلك المواكب عدد لا يُستهان به من الأطفال الصغار بلباس أسود يحملون بأيديهم الغضة شموعًا صغيرة".
مضيفًا، "في مشهد يجسّد أطفال الإمام الحسين في ليلة الوحشة، التي تمتزج بها خيوط الدخان المتصاعد من الشموع بآهات الفرج والرحمة".

على رصيف قريب من تلّ الزينبية تجلس الحاجة أمّ حمد التي غطّاها السواد من رأسها إلى أخمص قدمها، وهي تجهش بالبكاء وتردّد عبارة "ساعد الله قلب سيدتي ومولاتي زينب، وهي في تلك الحالة التي يحيط بها الأعداء".
يعلّق الباحث في التراث الكربلائي السيد حسين الموسوي، "تتجاوز ليلة الحادي عشر كونها حدثا تاريخيا حزينا، لتصبح رمزا للعديد من المفاهيم، ومظهرًا للصبر والرضا والتسليم".
مضيفًا، "ليلة الوحشة ليست مجرد طقس حزين، بل هي محاكاة وجدانية لليلة الأولى التي قضتها عائلة الإمام الحسين بلا حامٍ ولا ناصرٍ".
مُكملًا، "إيقاد الشموع يرمز إلى الأمل والنور وسط الظلام الدامس الذي أراد الطغاة فرضه، وهو إعلان من الموالين بأنّهم لن يتركوا تلك العائلة وحيده بعد اليوم".
موضحًا، "حين تسدل ليلة الحادي عشر من محرم الحرام أستارها على أرض كربلاء، تتبدّل ملامح المدينة الفياضة بالحركة والصخب نهارًا، لتغرق في صمت مهيب لا يقطعه سوى أنين الزائرين وصوت الرياح المحملة برائحة الحزن، إنّها ليلة الوحشة".

منوّها، "في هذه الليلة تتحول الشوارع المحيطة بالعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية ومنطقة بين الحرمين الشريفين إلى لوحة بصرية وثقافية فريدة، حيث تنطفئ الأنوار الرسمية جزئيا، لتستعيض عنها الحشود بآلاف الشموع المضيئة، في تقليد سنوي يمزج بين العزاء والمواساة الروحية".
يختم، "حينذاك تمتزج قطرات الشمع الذائب بدموع السائرين، الذين يستشعرون يُتمَ الأطفال وخوف النساء في تلك الليلة بلا حامٍ ولا كفيل".
تنتهي المسيرة عادةً عند ضريح الإمام الحسين وأخيه العباس، حيث تثبّت الشموع في أماكن مخصصة، لتشكّل لوحة فنية تحبس الأنفاس من الإضاءة الدافئة وسط السواد المُخَيِّم على المدينة.
ومع تقدّم ساعات الليل، تخفت أنوار الشموع وتنطفئ واحدة تلو الأخرى، مُخَلِّفةً وراءها بُقعًا من الشمع الذائب الذي يغطّي أرصفة كربلاء، ليشهد على ليلة أخرى من ليالي العشق الحسيني، ليلة انتهت فيها الشموع بالذوبان، ولكنّ جذوة الحزن والولاء في القلوب تظلّ مُشتعِلة لا تنطفئ.
