يقضي الشيخ ياسين اليوسف نهاره في البحث عن أسماء الشهداء في مسعى لإصدار النسخة السابعة من موسوعة شهداء العقيدة والوطن.
فالشيخ اليوسف الذي يشغل منصب معاون مدير مركز تراث البصرة، أمضى أكثر من 10 سنوات في هذه المهمة، ما بين العام (2014_2024)، رصد فيها سِيَرَ ما يقرب (1600) شهيد من شهداء الحشد الشعبي المقدس، من أهالي مدينة البصرة حصرا".
فمركز تراث البصرة أحد المراكز التابعة لقسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية في العتبة العباسية المقدسة، يهتم بحفظ تراث مدينة البصرة وإحياء ما أمكن من مآثر وفنون الشخصيات والمَعالم البصرية، وجَمْع ما يُمكن جمعُه من تراث المدينة المتمثّل بالكتب، والمخطوطات، والوثائق، والصّور، والصّحافة القديمة، والفيديوهات، فضلًا عن مؤلّفات علماء البصرة.
وللمركز إصدارات عِدّة، ابتداءً من الكتيبات المُعرِّفة بالتّراث، وسلسلة أعلام بصريّة، وإصدار مجلّة ثقافيّة تراثيّة باسم (الخطوة)، ومجلّة بحثيّة مُحَكّمة باسم (تراث البصرة)، وطباعة الكتب والرّسائل والأطروحات التي تُعنى بالشّأن البصريّ، وكذلك الكتب البصريّة القديمة.
إنشاء الموسوعة
ولأجل استيعاب تلك المعاني كلّها جاءت مبررات قيام تلك الموسوعة، التي تستند على أهمية التوثيق نفسها، وحفظ الحقائق، والدماء الزكية لشبابنا؛ حتى لا تُصادر هذه الدماء، ولكيلا تُزوّر هذه الحقائق مستقبلا".
يقول اليوسف، "لأننا عندما نقرأ التاريخ، نرى أنّ الكثير من الحقائق قد زُوّرت، وكثيرًا من البطولات والمواقف نُسبت لغير أصحابها، فمن هنا نشأت فكرة كتابة موسوعة توثّق للتاريخ".
ويتابع، "فضلًا عن ذلك فإن المرجعية العليا في النجف الأشرف، أكّدت على ضرورة التوثيق لهذا الحدث المهم، وهناك توجيهات من المتولّي الشرعي للعتبة العباسية المقدّسة، سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي (أعزّه الله) بهذا الخصوص".
مشيرا، "هي وثيقة مهمة لقادم الأيام، تثبت حقائق مصيرية لحقبة من تأريخ العراق عموما، وتاريخ البصرة بشكل خاص، تستذكر فيها الأجيال بطولات أولئك الغيارى وتضحياتهم".
ويضيف، "الموسوعة تبعث في نفوس الأجيال روح العزيمة والإصرار على التضحية والفداء، وتبيّن مدى ارتباط أولئك الشهداء لعقيدتهم والتفافهم حول مرجعيتهم العليا وامتثالهم للأوامر الشرعية، والأمر المهم والغاية القصوى التي نبتغيها من ذلك، هي إعداد أنفسنا وإخواننا لنكون من المنتظرين للمُصلح الأعظم صاحب الزمان الإمام المهدي(عج)".
تفاصيل الموسوعة
ويستدرك اليوسف، "تضمّ الموسوعة سِيَرًا ذاتيةً للشهداء، حياتهم، ودراستهم، ومواقفهم الاجتماعية، وعلاقتهم بالمواكب الحسينية، وعلاقتهم بإمام زمانهم، وعلاقتهم بأهل البيت (عليهم السلام) بشكل عام، وبطولاتهم في المعارك، وتعاملاتهم مع إخوانهم، ومع المجاهدين، وبعض الوصايا التي تركوها، وبعض الصور، وتُجمع هذه المعلومات من عوائلهم، ومن الأصدقاء في المنطقة، ومن إخوانهم في ساحات الجهاد".
منوها، "الموسوعة صدر منها لحد الآن سبعة أجزاء، في كلّ جزء مجموعة من سِيَر أولئك الشهداء، فالجزء الأول فيه خمسين سيرة شهيد، وبقية الأجزاء من سبعين إلى مئة، وصفحات تلك الأجزاء متفاوتة تقريبا، ففي بعض الأجزاء يصل الرقم إلى 280 صفحة أو أكثر للجزء الواحد".
ويضيف اليوسف، "هذا المُنجز ما كان له أن يكون لولا تلك التضحيات الجسيمة والدعم المطلق الذي قدّمته عوائل الشهداء، من آباءٍ، وأمّهات، وإخوان، وأبناء، وزوجات، فشكرا لهذه العوائل على صبرهم وتفهّمهم لهذا المشروع، وهو أقل ما نقدمه لدمائهم الزكية".
ويتابع، "جَمْعُ المعلومات والتحقق منها يحتاج إلى إجراء لقاءات وحوارات صحفية مصوره ومسجلة فيدويا، مع وجود ملاك إعلاميّ متخصص في داخل المركز من أجل تفريغ المحتوى الصوتي، وإحالته لمختصين في الصياغة الأدبية واللغوية وكتابته بأسلوب أدبي وقصصي، وألّا نبتعد فيه عن الحقائق؛ لأنّ الغاية هي التوثيق والرصد".
معارك التحرير
وهذا يحيلنا تلقائيا إلى أهمّ تفاصيل عمليات تحرير العراق من داعش (2014_ 2017)، وهي واحدة من أضخم وأعقد الحروب في العصر الحديث، فبعد سقوط الموصل في حزيران عام 2014، بدأت القوات العراقية بإعادة تنظيم صفوفها.
فكان لصدور فتوى الجهاد الكفائي (وتشكيل الحشد الشعبي) دورًا حاسما في إيقاف تمدد التنظيم نحو بغداد وكربلاء، لتبدأ عمليات استعادة العراق من الجماعات التكفيرية، خاصة معركة جرف النصر العظيمة، وتكريت، والفلوجة، والرمادي ومن ثمّ الموصل".
تأريخ مدينة البصرة
لمدينة البصرة جذور ممتدة إلى أعماق التأريخ، إذ شيّدت عام 14 هجرية، ومن أهم معاني مدينة البصرة لغويا كما يذكر الجوهري هي الحجارة الرخوة التي تميل إلى البياض، إلى جانب ذلك تُنعت البصرة بأسماء عِدّة، منها الفيحاء، ومن أسمائها عين الدنيا.
يعلّق اليوسف، "البصرة لها تراث ضخم بما يحتويه من مَواطن الحُسن والجمال، فهي منذ تبصيرها باتت منبت الحضارة وينبوع علم ومصدر إشعاع".
ويضيف، "فعلى أرضها نشأ النحو بإشارة من أمير المؤمنين (عليه السلام) لأبي الأسود الدؤلي، ليعصم اللسان العربي من الخطأ، ومن أنغامها أُسس علم العروض، وكُتبَ معجم العين، الذي رفد المكتبة الإسلامية بباكورة المعجمات اللغوية على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي".
مشيرا، "لهذا السبب أتى مشروع المركز وتأسيسه على يد المتولّي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة (أعزّه الله)، ليبحث عن تراث ومآثر هذه المدينة العريقة ورعايتها".