يطلّ بشموخ كشموخ صاحب المرقد، يتجدد شبابا كلّ قرن، كاظما جراحه بزهو انتصاراته في المعارك والحروب التي خاضها منذ أن رأى النور.
فبرج الساعة الذي يعتلي بوابة باب القبلة في صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) خاض كثيرًا من الأحداث الدرامية التي ارتبطت بتاريخ مدينة كربلاء المقدسة.
ذلك البرج الذي يناطح رأسه السماء وتترسخ جذوره أرض كربلاء المقدسة، ينطوي تأريخه على قصص وحكايات توارثتها الأجيال.
والعتبة العباسية المقدسة التي تتوسط مدينة كربلاء تُعدّ من أشهر المزارات الدينية في العالم، حيث يقصدها عشرات ملايين الزوار سنويا، وباتت من أهم المراكز الروحية والثقافية للمسلمين عموما والشيعة خصوصا.
وتقع كربلاء المقدسة في وسط جمهورية العراق، جنوب غرب العاصمة العراقية بغداد، وأُنشئت المدينة إثر استشهاد سبط رسول الله محمد (صلوات الله وسلامه عليهم) في واقعة الطف الشهيرة عام 61 للهجرة- 680 للميلاد.
يقول الأستاذ سعيد زميزم أحد مؤرخي المدينة، "أصل تسمية البرج بهذه التسمية لكونه شُيّد لغرض نصب ساعة كبيرة في قمته".
ويضيف، "في الوقت الذي يُعدّ برج الساعة في العتبة العباسية المقدسة جزءا لا يتجزأ من الذاكرة العمرانية لمدينة كربلاء المقدسة، فهو في الوقت ذاته شاهدا حيا للكثير من الاحداث المأساوية لها".
مبينا، "الروضة العباسية المقدسة تعرضت إلى القصف من قبل الجيش العثماني عام (1842)، إثر تمرد أبناء المدينة على التعسف والظلم الذي كانت تمارسه السلطات في تلك الحقبة في العهد العثماني، مما تسبب في تضرر برج الساعة، وأدّى ذلك إلى تعطّلها عن العمل".
من جانبه يبيّن المؤرخ كريم مطر حمزة، أنّ واقعة القصف بقت حاضرة في نفوس أهالي مدينة كربلاء المقدسة حتى اليوم".
موضحا، "كان لقصف برج الساعة ترسيخا لحجم الانتهاكات والهجمة الوحشية التي شهدتها كربلاء على يد الجيش العثماني".
ويردف المؤرخ سعيد زميزم، "كما تعرض برج الساعة إلى التدمير في عهد النظام البعثي الديكتاتوري عام (1991)، بعد اندلاع انتفاضة شعبان".
مسترسلا، "أُصيبت القبّة الطاهرة للمولى أبي الفضل العباس (عليه السلام) بقذيفة مدفع ثقيل، وأُصيب برج الساعة من جراء ذلك القصف الغادر، وأُصيبت أجهزتها أيضاً بأضرار جسيمة، وفقدت الكثير من أجزائها".
تراث البرج
إلى ذلك يروي المؤرخ سعيد زميزم آلية عمل ساعة البرج فيقول، "كانت طريقة اشتغال آلياتها صعبة، بحيث تشغل آلية (الكوك) على ثقل عال يمد من سطح العتبة العباسية المقدسة ويبقى ينزل ببطء، وعملية وصوله إلى الأرض تستغرق ثمانية وأربعين ساعة، ليُعاد رفع الثقل عالياً ويعاود نزوله ببطء مسجلا بداية 48 ساعة".
أمّا المظهر الخارجي لبرج الساعة، فتأخذ قمته شكل قبة مُذهّبة، تحتوي في باطنها على أجراس ضخمة عددها ثلاثة، تُسمع دقّاتها كلّ ربع ساعة، وتقوم هذه القبة على أعمدة مُذهّبة تُشكّل فيما بينها ما يشبه (الأواوين المقوّسة) وعددها ثمانية، تستند هذه الأعمدة على مساحة مربعة تمثل سقف الغرفة الرئيسة للساعة التي تحتوي على ماكنتها.
وتشير بعض الموروثات التاريخية إلى أن "أحد ساعاتي كربلاء كان يواظب قرب البرج ليلًا ونهارًا لمتابعة عمل الساعة وإدامتها والإشراف على جميع العمليات التي تجري لتشغيلها، ويقال إنّه كان يعمل دون مقابل، واشترط أن يدفن بقربها، وفعلاً رحل إلى آخرته وهو يعانق ظل برج الساعة".
إعمار البرج وصيانة الساعة
من جانبها أفردت الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة لبرج الساعة ضمن عمليات التوسعة الافقية مشـروعًا خاصًّا به، كانت أولى مراحله رفع الهيكل القديم من غير إحداث أيّ أضرار فيه، ونصبه على قطعٍ حديديةٍ خاصّة جُـسِّرَت فوق الباب، وذلك من أجل الحفاظ على هيكلها وشكلها العام، فجرت عمليات إعادة إعمارها بلمساتٍ عصـريّة جَمَعَت تراث الماضي.
يقول رئيس قسم الصيانة والإنشاءات الهندسية في العتبة العباسية المقدسة، قسيم هادي نوري، إن الأعمال "بدأت برفع الهيكل القديم بحذر شديد دون التسبب بأي ضرر ثم نُصب على قطع حديدية خاصّة لحفظ هيكله التاريخي".
ويضيف، "أعمال التطوير شملت بعض التعديلات في الإطار الخارجي، فتمت إزالة التغليف القديم وإعادة تغليف الهيكل بمواد (الهارب) المعالجة، ثم تقويته بهيكلٍ حديدي، قبل تغليفه بطبقات إسمنتية ومواد مانعة للرطوبة، لتكوين كتلة إنشائية واحدة أكثر صلابة".
ويتابع، "بعدها بدأ تغليف البرج بالكاشي الكربلائي المُذهّب من نفس النوع الموجود في العتبة، لخلق تناظر بصري متكامل".
ويختتم، "أمّا الجزء العلوي من البرج فقد غُلّف بصفائح مُذهّبة بسماكة (2 ملم) صُنعت بتقنية الطرق على جلد الغزال، وبطريقة تثبيت خاصة لتحمل الظروف الجوية".
تقنيات عصرية
من جهته يوضح المهندس حسن محمد مسؤول شعبة الكهرباء في العتبة العباسية المقدسة، أنّ "الحفاظ على دقة عمل برج الساعة واستمرارية أدائه يُعدّ من المهام التي تحظى بعناية يومية ودقيقة، لما يمثله البرج من قيمة رمزية وجمالية ومعنوية عالية".
ويقول، "ملاكات شعبة الكهرباء تبذل جهوداً متواصلة لضمان عمل الساعة بانسيابية عالية ودقة متناهية، دون انقطاع أو خلل".
ويوضّح، "مهام الشعبة ترتكز على صيانة منظومة الإنارة الخارجية الموجهة نحو واجهة الساعة، إلى جانب الإنارة الداخلية التي تتوزّع بألوانها المميزة، الأحمر والأخضر، فضلًا عن متابعة وصيانة المصباح العلوي المثبّت فوق القبة الذهبية في قمّة البرج، والذي يضفي حضورا بصريا لافتا على المَعلَم، لاسيما في ساعات الليل".
ويضيف، "مسؤوليات شعبة الكهرباء لا تقتصر على جانب الإنارة فحسب، بل تشمل أيضًا متابعة وصيانة النظام الكهربائي المشغل لمنظومة الساعة، عن طريق الفحص المستمر واستبدال أو إصلاح المحولات الكهربائية المسؤولة عن ضبط الوقت وتشغيل إنارة أميال الساعة، بما يضمن دقة التوقيت وتناسق الإضاءة على مدار الساعة".
مبينا، "هذه الأعمال تُنفّذ على وفق برامج صيانة دورية وخطط فنية مدروسة، تهدف إلى الحفاظ على جاهزية البرج بوصفه أحد المعالم البارزة، مؤكدًا أنّ العمل يتم بروح الفريق الواحد وبإحساسٍ عالٍ بالمسؤولية، بما ينسجم وقدسية المكان وأهميته التاريخية.