في قلب الحلة، المدينة التي طالما تنفّست العلم واحتضنت العلماء بين أزقّتها العتيقة، وُلد مشروعٌ جديد بدا وكأنه استعادة لذاكرةٍ كادت أن تتوارى خلف غبار السنين، لم يكن الأمر مجرد كتاب يُضاف إلى رفوف المكتبات، بل كان رحلةً طويلة في أعماق التراث، قادها شغف الباحثين وإيمانهم بأن لكل اسمٍ حكاية، ولكل عالمٍ أثر لا يجوز أن يُنسى.
على مدى ثلاث سنوات من البحث المضني بين المخطوطات والكتب القديمة، وبين مصادر متناثرة في بطون التاريخ، انشغل الدكتور هاشم جعفر حسين الموسوي، وفريقه بتتبّع خيوط هذا الإرث اللغوي العريق.
كانت المهمة أشبه بجمع نجومٍ تفرّقت في سماء الزمن، لإعادة رسم صورة متكاملة لمشهد علمي ازدهر يومًا في الحلة، وأسهم في رفد مكتبة اللغة العربية.
ومن هنا، أبصر النور كتاب، موسوعة اللغويين الحليين، بوصفه مشروعًا علميًا رائدًا تبنّاه مركز تراث الحلة التابع للعتبة العباسية المقدسة، ليكون شاهدًا حيًا على إسهامات علماء المدينة في ميادين اللغة المختلفة، من النحو والصرف إلى البلاغة والنقد والدراسات القرآنية.
لم تأتِ هذه الموسوعة لسرد الأسماء فحسب، بل لتُعيد الحياة إلى سِيَرٍ ظلّت لسنوات طويلة حبيسة الصفحات، وتكشف عن إنجازاتٍ لم تنل ما تستحقه من الضوء.
وفي هذا العمل، لم يكتفِ القائمون عليه بالتوثيق، بل سعوا إلى تقديم صورةٍ دقيقة وشاملة، تُبرز مكانة الحلة بوصفها واحدة من الحواضر العلمية التي أغنت الفكر اللغوي العربي عبر العصور.
وهكذا، تحوّلت الموسوعة إلى أكثر من مجرد كتاب إلى جسرٍ يصل الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف كنوزٍ معرفية كانت قريبة، لكنها لم تكن مرئية بما يكفي.
وفي خطوة رائدة لتعزيز التراث الثقافي والعلمي للعراق، كشف مركز تراث الحلة التابع لقسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية في العتبة العباسية المقدسة عن إصدار "موسوعة اللغويين الحليين"، وهو عمل موسوعي شامل يوثق حياة وإنجازات علماء اللغة والأدب في مدينة الحلة عبر العصور.
استغرق العمل على هذه الموسوعة ثلاث سنوات من البحث والتقصي، وبتكليف من إدارة مركز تراث الحلة لإعداد موسوعة مختصة بكلّ ميدان علمي من تراث الحلة، وكان سهمه هو الميدان اللغوي، وشارك فيه نخبة من الأكاديميين والباحثين المتخصصين في علوم اللغة والأدب والتاريخ الإسلامي.
تهدف الموسوعة إلى تسليط الضوء على الأثر العميق الذي تركه علماء الحلة في مختلف فروع العلوم اللغوية، من النحو والصرف والبلاغة إلى النقد الأدبي والدراسات القرآنية.
يؤكّد الشيخ صادق، المشرف العام على المشروع، أنّ "الموسوعة جاءت لتسد فراغًا كبيرًا في المكتبة العربية، إذ لطالما كان علماء الحلة يشكّلون رافدًا أساسيًا في تطور العلوم اللغوية، ولكن العديد من إنجازاتهم ظلت مجهولة أو مغمورة في بطون الكتب والمخطوطات".
والغايةُ منها وأهميّتها وتفرُّدها يظهر في أنّها تُصَنَّفُ ضمن الموسوعات المُختصّة، إذِ اقتصرتْ على أعلام مدينة الحلّة بعد تمصيرها ممّن كان لهم جهدٌ لغويٌّ في ميادين: الصّوت، أو الصّرف، أو النّحو، أو الدّلالة، فكان منهم علماء التّجويد، والصرفيون، والنحويون.
وأحصى مؤلِّف الموسوعة منهم اثنين وستين عالمًا، قُسِّموا على ثلاثة أقسام، أوّلها: اللُّغويُّون الحِلِّيُّون، وثانيها: اللُّغويُّون الحِلِّيُّون المهاجرون، وثالثها: اللُّغويُّون الحِلِّيُّون الوافدون، وفي ذلك وقبله مباحث وتفاصيل، وأفانين وأقاويل، ومستجدّات ونتائج معتبرة.
تغطي الموسوعة جوانب مختلفة من حياة هؤلاء العلماء، بما في ذلك: السِّير الذاتية، تُقدّمُ تراجمًا مفصلة عن حياة العلماء، (نشأتهم، ودراساتهم، ورحلاتهم العلمية).
النتاج العلمي، يشمل إحصاءً لأهم مؤلفاتهم وأعمالهم العلمية والشعرية، سواء المطبوعة منها أو المخطوطة، والتحليل الأكاديمي، دراسات تحليلية لأفكارهم وآرائهم اللغوية وأثرها في تطوير علم اللغة العربي.
من الأسماء البارزة التي تضمّنتها الموسوعة، ابن مالك الحلّي، صاحب كتاب "الألفية"، وأبا الحسن علي بن عيسى الرماني، أحد أعلام البلاغة والنقد، وغيرهم من أعلام اللغة والأدب الذين ساهموا في صياغة التراث اللغوي الإسلامي.
يوضح الشيخ صادق الخويلدي، مدير مركز تراث الحلة، أنّ "الهدف من إصدار الموسوعة لا يقتصر على حفظ التراث، بل يمتد إلى إعادة إحياء هذا الإرث العلمي وتعريف الأجيال الجديدة به".
ويقول، "تراث الحلة اللغوي يعكس الهوية الثقافية والدينية للمدينة التي ظلت منارة علمية لعصور طويلة، نأمل أن تكون هذه الموسوعة مرجعًا أساسيًا للباحثين والمهتمين باللغة العربية وعلومها".
ويضيف، "إصدار الموسوعة يتماشى مع رسالة العتبة العباسية المقدسة في إحياء التراث الإسلامي وتعزيز البحث العلمي عن طريق مشاريع علمية رصينة تتسم بالدقة والشمولية".
ويشير الباحث حيدر علي الفتلاوي الى، ان "هذه الموسوعة امتدادًا نوعيًا لما بدأه رواد سابقون، مثل الشيخ علي الخاقاني في كتابه "شعراء الحلة" أو "البابلية"، وكذلك الشيخ محمد علي اليعقوبي في "البابليات"، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الموسوعة الجديدة ذهبت إلى أبعد من ذلك، إذ لم تقتصر على الشعراء، بل تخصصت في اللغويين والنحويين، سواء أكانوا شعراء أم لا، وهو ما منحها طابعًا أكثر دقة وتخصصًا".
ويضيف، "هذا العمل لم يأتِ ليكرر ما كُتب سابقًا، بل ليكمل النقص ويملأ الفراغات التي تركتها تلك المؤلفات، خاصة فيما يتعلق بالأعلام الذين لم تُتح لهم فرصة الظهور في المصادر التقليدية".
موضحا، "بين المخطوطات المتناثرة والتراجم المتفرقة، استطاع القائمون على الموسوعة أن يجمعوا خيوطًا متباعدة، ويصوغوا منها صورة متكاملة لمشهد لغوي كان بحاجة إلى إعادة قراءة".
وحظيت الموسوعة بإشادة واسعة من الأوساط الأكاديمية والأدبية في داخل العراق وخارجه، فيعلق الدكتور محمد الكعبي، أستاذ الأدب العربي في جامعة بغداد قائلا، "إصدار موسوعة اللغويين الحليين يُعدّ إنجازًا علميًا كبيرًا يسد فجوة مهمة في الدراسات اللغوية".
ويضيف، "لم تكتفِ الموسوعة بجمع التراجم وتوثيقها، بل قدمت دراسات تحليلية معمقة تبرز الأثر المستمر لعلماء الحلة في تطور الفكر اللغوي العربي، مما يجعلها عملًا موسوعيًا من الطراز الأول".
من جهته، أكّد الأستاذ أحمد الحسيني، أنّ "الفريق البحثي حرص على الرجوع إلى المصادر الأصلية والمخطوطات النادرة التي حفظت أعمال علماء الحلة، مشيرًا إلى أنّ الموسوعة تقدّم صورة شاملة ودقيقة عن الحركة العلمية في المدينة".
ويشكّل إصدار "موسوعة اللغويين الحليين" علامة فارقة في جهود توثيق التراث العربي والإسلامي، ويجسد رؤية العتبة العباسية المقدسة في دعم البحث العلمي وحفظ الهوية الثقافية للعراق.
ويتطلع مركز تراث الحلة إلى تطوير الموسوعة مستقبلًا بإضافة مجلدات جديدة تستوعب المزيد من الأبحاث والاكتشافات العلمية، إلى جانب خطط لترجمتها إلى لغات أجنبية لتصل إلى جمهور أوسع من المهتمين بالدراسات اللغوية في العالم.
بهذا الإصدار المهم، تكون الحلة قد استعادت مكانتها العلمية في الذاكرة الثقافية العربية، وأصبح لعلمائها نصيب من التكريم المُستحَق الذي تأخر طويلاً.
فيما يرى الدكتور هاشم مؤلف الموسوعة، أنّ "إظهار تراث مدينة الحلة هو كشف عن جانب مهم من هوية المدينة الثقافية، فضلًا عن خدمة طلبة اللغة في الانتفاع من الكتاب في اختيار موضوعات لغوية لبحوثهم ودراساتهم" .
في حين يرى الدكتور صلاح حسون جبار، اختصاص لغة عربية، أن "المتوقع أن يكون لموسوعة اللغويين الحليين أثرٌ علميّ كبير في الدراسات اللغوية والأدبية لأسباب عِدّة منها توثيق التراث العلمي، فالموسوعة تجمع معلومات موثوقة عن علماء اللغة في مدينة الحلة، مما يجعلها مرجعاً أكاديميا مهما للباحثين في التاريخ اللغوي والأدب العربي".
ويكمل، "تسهم الموسوعة في سدّ فجوة معرفية؛ لأنها تُعدّ من الإصدارات النادرة التي تركّز على منطقة جغرافية معينة مما، يسهم في رفد الدراسات المتعلقة بالتراث اللغوي العربي، وخلق مشاريع بحثية جديدة عن طريق تصنيف العلماء إلى فئات مختلفة، وتقديم تفاصيل عن إسهاماتهم، وقد تلهم الموسوعة دراسات أكاديمية أعمق في مجالات النحو والصرف والدلالة وغيرها".
ويشير الدكتور صلاح الى، ان "دعم مثل هكذا مشاريع يُعدّ أمرًا مناسبًا وضروريًا للحفاظ على التراث الثقافي وتعزيز البحث العلمي وإبراز الشخصيات التاريخية والتنمية الثقافية والمجتمعية والمساهمة في الهوية الوطنية.
مستدركا في حديثه، ان "هناك مشاريع سابقة مشابهة لموسوعة اللغويين الحليين في التأريخ الإسلامي والأدبي".