يحرص علي عباس مزيوي صباح كل يوم على أن يسجل حضوره اللافت والمميز أمام مسؤوله، مستعينا بالإيماء تارة، والاشارة بإحدى يديه أو كلتيهما تارة أخرى.
إذ يحرص مزيوي، الذي يعمل منذ أكثر من ستة عشر عاما في العتبة العباسية المقدسة بشكل كبير على متابعة كلّ واردة وشاردة في الصحن الشريف، خصوصا أنه معني بشؤون النظافة وترتيب كتب الدعاء والزيارة المصفوفة في الأروقة والزوايا المنتشرة داخل الروضة الطاهرة.
يقول مسؤول مخزن قسم رعاية الصحن السيد سجاد عبد الحمزة، إنّ "المنتسب مزيوي له موعد ثابت يوميا يكاد لا يحيد عنه، بغية استلام عدد التنظيف الخاصة بالأرضيات والأبواب والجدران".
مشيرا، "أنه يقطع شارع ما بين الحرمين الشريفين بخطى ثابتة ومستقرة، على أمل الوصول للمخزن التابع لرعاية الصحن الشريف".
واللافت في الأمر أن مزيوي على الرغم من تحديات هذه المهمة، آلَ على نفسه تولّيها، على الرغم من كونه كفيفًا وأبكمًا وأصمًّا منذ ولادته، كما يوضح زملاؤه.
فهو بابتسامته المعهودة كان يسبّح بقلبه، وهو يؤدي مهامه الخدمية بدقة متناهية جدا، متسلحا بسلاحه الوحيد "اللمس والتركيز العالي".
تلك الحاسة المركبة التي وهبها الله (عز وجلّ) لمزيوي جعلت منها أشبه بجهاز (سونار)، قادر على تبيان أي خلل أو نقص في المكان الذي يلمسه.
فهو يدرك إن كان أحد الحواجز التي تركن داخل الصحن الشريف قد زحف عن مكانه المخصص، أو أنّ رفًّا من الرفوف تتناقص محتوياته.
ويُعدّ قسم رعاية الصحن الشريف للعتبة العباسية المقدسة من المراكز الحساسة والمهمة، ويتحتم على ملاكاته أن يكونوا على درجة عالية من الكفاءة.
إذ تعمل تلك الملاكات بشكل مستمر في التنظيف وإدامة الصحن والصيانة اليومية.
وتستقبل العتبة المقدسة التي تتوسط مدينة كربلاء القديمة عشرات ملايين الزوار سنويا، يفدون من داخل العراق وخارجه على مدار أيام العام.
يوميات مزيوي
ما إن يدخل مزيوي من باب صاحب الزمان (عجّل الله فرجه الشريف)، في كلّ متر يقطعه، تمتد يد لتسلّم عليه، ليس لأنّه "معاق" بل لأنّه "الخادم الصابر المحتسب".
ويعمل مزيوي بحرفية دقيقة وفقاً لـ "خريطة رسمها في مخيلته"، متخذا من الإشارة أو اللمس طرقاً خاصة للتواصل والتفاهم مع محيطه الخارجي.
مزيوي متزوج ولديه ثلاثة أبناء، بنتان وولد، ويسعى لتعليمهم، متجاوزاً نظرات الشفقة إلى نظرات الإعجاب بمهاراته وقدراته الذاتية.
وباب صاحب الزمان أحد الأبواب التسعة للعتبة العباسية المقدسة، وهي باب القبلة، وباب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وباب الإمام الحسن (عليه السلام)، وباب الإمام الحسين (عليه السلام)، وباب الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، وباب الإمام محمد الجواد (عليه السلام)، وباب الإمام الهادي (عليه السلام)، وباب صاحب الزمان (عجّل فرجه)، وباب الفرات.
أمّا مساحة مرقد الإمام العباس (عليه السلام) فتُقدر بنحو 13،000 متر مربع تقريباً، وتشمل الصحن الشريف والأروقة المحيطة به.
وبحسب السيد سجاد عبد الحمزة، مسؤول مخزن رعاية الصحن الشريف، فإن "المنتسب مزيوي له موعد ثابت يوميا يكاد لا يحيد عنه، بغية استلام عدد التنظيف الخاصة بالأرضيات والأبواب والجدران، قاطعا شارع ما بين الحرمين الشريفين بخطى ثابتة ومستقرة، على أمل الوصول للمخزن التابع لرعاية الصحن الشريف".
مضيفا، "لكن ذلك لا يغير من حقيقة اتحاد الكلمات مع الإشارة، التي تنتج لنا حالة من حالات الدمج والتوظيف للطاقات الكامنة".
يكمل، "أمّا ما يخص عمليات ذهابه وإيابه من وإلى العتبة المقدسة، فالأمر متوقف على ابنته البكر ذات (13) ربيعا هي التي تتكفّل بعملية إيصاله وإعادته للمنزل لأجل سلامته".
بدوره يقول المنتسب مصطفى مسلم محمد "أصبح مزيوي ايقونة في الصحن الشريف، يراه الزائرون فيخجلون من شكواهم البسيطة".
ويضيف، "على الرغم من ذلك كلّه، ينطلق مشوار عمله اليومي بمسح وتنظيف جميع أبواب العتبة العباسية، ومسح الكاشي الكربلائي بالمقدار الذي يستطيع".
ويكمل، "هذا بحد ذاته انعطافة مهمة في تاريخ العتبة العباسية المقدسة، الساعية إلى ترسيخ فكرة أنّ الإعاقة الحقيقية هي إعاقة الروح عن الطموح".
أصل الحكاية
من جانبه، يبين الشيخ زين العابدين عدنان أحمد القريشي، معاون رئيس قسم رعاية الصحن الشريف في العتبة العباسية المقدسة، أنّ "المنتسب علي عباس عبيد مزيوي، من مواليد العام (1975)، وانتسب إلى العتبة في العام (2009)، وهو يعاني الصم والبكم، ومن الضعف الشديد في البصر".
لافتا، "تصل درجة ذلك الضعف الى نسبة 95%، واهتمت العتبة العباسية بحالته الصحية منذ تعينه ولحد الآن".
وعن أحواله الخاصة يسترسل الشيخ زين العابدين، "بادرت العتبة العباسية المقدسة برعايته منذ أن كان يسكن مع أخوته وأهله في الحي العسكري".
ويضيف، "بعد أن بِيع منزل العائلة الذي كان يقطنه مزيوي وعائلته، وجه سماحة المتولي الشرعي السيد أحمد الصافي (دام عزّه) بتهيئة منزل إيجار له، قبل أن يُمنح من الأمانة العامة للعتبة المقدسة قطعة أرض سكنية".
مكملا، "بالنتيجة العتبة المقدسة هي التي تلبّي جميع احتياجاته الشخصية والحياتية، وذلك لاعتبارات إنسانية".
بدوره يعلق المنتسب حافظ بحر غاوي، من قسم حفظ النظام، قائلًا، "إنّنا نعيش في عالم يضج بالألوان والأصوات، معتمدين بذلك على حواسنا الخمسة".
ويتابع متسائلا، "ماذا لو انطفأت ثلاثة من أهم نوافذ الروح، ماذا لو أصبح العالم عبارة عن سكون مُطبَق وظلام دامس وصمت لا ينتهي".
ويضيف، "هذه ليست مقدمة لفيلم درامي بل واقع حياتي يعيشه أبطال يتنفّسون بيننا، يتحدون فقدان السمع والنطق والبصر معا".
ويختتم المنتسب غاوي، "هذا أقل ما يُقال ونحن نقلّب صفحات المنتسب مزيوي، وأهم تفاصيل حياته، التي تضجّ بالكثير من المعاني، ولا سيما ما يتعلق منها بعنوان، إنّ العوق الحقيقي هو عوق الروح، وليس البدن".
نور البصيرة
أخيرًا وليس آخرا... يروي الشيخ زين العابدين القريشي، حادثة تتميز بالغرابة قائلا، "في أحد الأيام أشار لي مزيوي عن وجود كسر في أحد حواشي الكاشي الكربلائي المحيط بأحد الأبواب".
ويضيف مندهشا، "على الرغم من عمليات الكشف لم يفلح المنتسبون بالعثور على مكان الكسر".
ويكمل، "ما كان من مزيوي سوى أن أخذ بيد أحد المنتسبين ووضعها على قطعة الكاشي المتضررة، ليتبيّن أنه استطاع كشف الخلل على الرغم من كونه ضررا داخليا لا يُرى بالعين المجردة".
ويختتم الشيخ زين العابدين، "نور البصيرة أعظم من نور البصر قولا وفعلا".