
في جغرافيا الليلة السادسة من ليلة محرم الحرام للعام 1448 هجرية، تحولت ثنائية الأنصار والمخيم الحسيني في كربلاء المقدسة إلى فلسفة لا يفكّ طلاسمها إلّا من يسبر غور الوجوه المحتشدة في كربلاء.
فشوارع المدينة القديمة، والأزقة المؤدية إلى العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، تحولت إلى لوحة بشرية مهيبة رائدها السواد.
تتوهج الطرق المؤدية إلى العتبات المقدسة بأضواء المواكب، وتتداخل أصوات المراثي مع وقع الأقدام ودموع المعزين، عندها يبدو المشهد وكأنه امتداد لذلك اليوم الذي شهدته أرض الطف قبل قرون طويلة.
أصوات الطبول والدفوف تخترق حاجز الصمت المطبق، كأنها تحاكي وقع حوافر الخيل وصليل السيوف التي دارت رحاها على هذه الارض.
تلك الأصوات إعلان متجدد لتوافد المواكب والهيئات الحسينية نحو العتبتين المقدستين، المشهد ليس مجرد بكاء، بل هو استعراض قيمي ترفع فيه الرايات التي كُتَبت عليها أسماء ورموز تلك الملحمة.
حبيب بن مظاهر الأسدي، وزهير بن القين، وعابس الشاكري، وجون مولى أبي ذر الغفاري، والقائمة تطول، إنّهم أنصار الإمام الحسين عليه السلام في تلك الواقعة المؤلمة.
تخرج تلك المواكب في عرف عزائي، حُرِصَ على إقامته منذ القدم، ويُستهل بنزول مواكب عزاء (الزنجيل).
حركة المواكب تسير وفق خطة مُحكَمَة وضعها قسم الشعائر والمواكب والهيئات الحسينية، تضمن مسيرها عبر شوارع محددة، تبدأ من باب قبلة مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، مرورًا بصحنه الشريف، متجهة عبر ساحة بين الحرمين الشريفين، لتختتم العزاء عند مرقد سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام.
تشير سير التاريخ أنّ أنصار الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء هم الصفوة الأخيار الذين ضربوا أروع أمثلة الفداء والوفاء، إذ اختاروا الموت مع إمامهم في واقعة الطف بعاشوراء عام 61 للهجرة، على العيش تحت ظل الحكم الأموي.
تَمَيّز هؤلاء الأنصار بالتنوع العمري والاجتماعي والقبلي، فكان منهم الصحابة والتابعين والشيوخ والشباب والعبيد، ومنهم ليس من المسلمين أيضا.
اختلفت الروايات والمصادر التاريخية في تحديد العدد الدقيق لأنصار الإمام الحسين عليه السلام، الذين استشهدوا معه في كربلاء، لكنّ أصدقها ما ورد عن الإمام محمد الباقر عليه السلام بالتفصيل التالي، 32 فارسًا، 40 راجلًا، بمعنى أنّ 18 من بني هاشم و54 من الأصحاب والأنصار.

صبيحة يوم الأنصار
في صباحٍ هذا اليوم الكربلائي المثقل بالشجن، كان سعد زهير الرماحي يتأمل مواكب العزاء وهي تمرّ أمامه.
أبدى ابتسامةً خفيفة امتزجت بالحسرة، مُعلّقًا على مشاهد المواكب الحسينية التي تجول شوارع المدينة، "ليتنا مثلهم، فلا يوجد وجه مقارنة بين حياتنا وحياتهم".
ويضيف، "ربما نادرًا ما نجد إنسانًا يحمل جزءًا من صفاتهم، لقد جسدوا صداقةً وصلت إلى حد الشهادة، ونحن ما زلنا نتعلم من سيرتهم معنى الوفاء الحقيقي."
حديث سعد أعاد إلى الأذهان صورة أولئك الرجال الذين اجتمعوا حول الحسين عليه السلام رغم اختلاف أعمارهم وأصولهم ومواقعهم الاجتماعية.
كان بينهم الشاب الذي لم يبلغ العشرين، والشيخ الذي تجاوز السبعين، وكان بينهم سيد القبيلة والرجل البسيط والعبد المحرر، لكنهم جميعًا تساووا حين وقفوا أمام خيار الحق.
وعلى مقربة من إحدى الهيئات الحسينية، كان التدريسي هشام الياسري، القادم من محافظة البصرة، يستمع إلى مجلس عزاء قبل أن يشاركنا رؤيته.
قال بصوتٍ هادئ، "قد لا نستطيع جميعًا أن نكون مثل أصحاب الحسين عليه السلام، لكننا رأينا بعضًا من صفاتهم في أيام الجهاد الكفائي، عندما لبّى أبناء العراق نداء المرجعية وقدموا أرواحهم دفاعًا عن الأرض والمقدسات".
ويتابع، "لقد أثبتوا أن نصرة الحسين ليست حدثًا تاريخيًا، بل موقفًا يتجدد في كل زمان."
ويرى الياسري أن قصص حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وزهير بن القين لم تبقَ حبيسة الكتب، بل تحولت إلى قيم حاضرة في وجدان الناس.
فيقول، "حبيب الشيخ السبعيني الذي أبى إلّا أن يكون مع الحسين حتى آخر لحظة، ما زال يلهم كبار السن الذين يصرون على خدمة الزائرين رغم مشقة العمر".
ويضيف، "أمّا مسلم بن عوسجة، الذي أوصى رفاقه بألّا يتركوا إمامهم وحيدًا وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فقد بقي رمزًا للثبات حتى آخر رمق".
وفي الطرف الآخر من المدينة، كانت الحاجّة أم حيدر تمسح دموعها وهي تستمع إلى ذكرى الشهداء.
لم تكن تستحضر فقط شهداء الطف، بل كانت تستعيد صورة ابنها الذي ارتقى شهيدًا في أثناء عمليات تحرير جرف النصر.
تقول بصوتٍ اختلطت فيه الحسرة بالفخر، "الحسين عليه السلام له أصحاب في كل زمان، ابني خرج يومها وهو يقول لي، (يمّه، آني رايح أحرر كاعنه، ادعيلي، وإذا استشهدت لا تبجين، لأن آني راح أروح ويّا أصحاب الحسين)."
تتوقف قليلًا، ثم تضيف وعيناها تفيضان بالدموع، "لم أنسه يومًا، لكنّه رحل شهيدًا وأنا فخورة به، لأن الشهادة منزلة عظيمة لا ينالها إلا أصحاب الحظ الكبير."
وفي كل زاوية من كربلاء تتكرر هذه الحكايات.
فهناك من يجد في زهير بن القين صورة الإنسان الذي غيّر مسار حياته بقرارٍ شجاع، حين اختار الوقوف مع الحق رغم كل الترددات.
وهناك من يستلهم من جون بن حوي درسًا خالدًا في المساواة الإنسانية، إذ أثبت أن قيمة الإنسان لا تُقاس بأصله أو لونه أو مكانته، بل بموقفه ومبادئه.
تشابيه ومواكب الرموز
يقول الحاج محمد حلواص (66) من هيئة الحوراء زينب عليها السلام، إنّ "بعض المواكب لها طابع رمزي (التشابيه) لرجال كبار في السن، يمثلون شخصية الشهيد حبيب بن مظاهر الاسدي بلحيته البيضاء وهو يمسك سيفه، أو يمثلون شخصية الشهيد جون بلونه الأسمر".
معلقا، "مما يثير شجون المعزين الذين يرون في هذه الصور تجسيدا حيًّا للملحمة".
ويضيف، "أمّا المواكب الأخرى فهي تمتاز برفع المشاعل النارية التقليدية، في تقليد متوارث يرمز إلى الإعلان عن الجهاد والاستعداد للتضحية".
موضحا، "يفعلون ذلك على أمل محاكاة تلك الليلة التي أعلن فيها الأنصار نصرتهم المطلقة للإمام الحسين عليه السلام".
بدوره الحاج أبو علي، أحد كبار خدم المواكب الحسينية في كربلاء يبيّن أنّ "ليلة الأنصار لها خصوصية".
مشيرًا، "نحن هنا لا ننعى ضحايا، بل نستذكر رجالًا كان بإمكانهم النجاة بأنفسهم، لكنهم اختاروا الموت وقوفا حبا في إمامهم".
مكملا، "عزاء هذه اليوم يتّسم بالحماس، لأنّه عزاء الشجاعة والإقدام".
