image alt

الأواوين... بصمة حضارية مُوغلة في التأريخ

الأواوين... بصمة حضارية مُوغلة في التأريخ

يجلس زائرٌ مُنهَك من عناء السفر على حافة الإيوان، مُتّكِئًا بظهره على جدار بارد يحوي نقوش إسلامية بخطٍّ عربيّ دقيق، يفتح كتاب الزيارة، يقرأ منه بصوت خافت، بينما يعبر من أمامه عشرات الزائرين قاصدين سقاية الماء القريبة، أو محرابا للصلاة في إيوان مجاور.

هذا هو الإيوان كما يُستخدم كل يوم، مكان راحة، وممر عبور، ومسجد صغير، وموقف تعليم، كلّها في آن واحد.

وفي غمرة هذا الاستخدام المتزاحم، يمر جاسم حسين جودة، المنتسب في قسم رعاية الصحن الشريف في العتبة العباسية المقدسة، وهو رجل يخدم هذه الأروقة منذ ثمانية عشر عاماً ويبلغ عمره ثمانية وأربعين ربيعاً.

بخطى هادئة، يراقب الزائر الجالس "بنظرة إنسانية"، ينتظره حتى يشعر بالارتياح، قبل أن يقترب بإسفنجته وبخاخ الماء الخاص لتنظيف المكان دون أن يزعج سكينته.

يقول جاسم، "أنا أبدأ عملي اليومي الساعة السابعة صباحاً لخدمة زوار أبي الفضل عليه السلام".

مبينا، "الإيوان يُنظَّف يومياً خمس مرات تقريباً بالوضع الطبيعي وفي بعض الظروف، أكثر من ذلك".

مستذكراً، "وظيفة الإيوان هي نفسها راسخة منذ قرون فأصلها وحالها الآن هي لاستراحة الزائر".

والأواوين ومفردها إيوان هي عناصر معمارية تقليدية بارزة لها تاريخ عريق في عمارة الشرق الأوسط، وخاصة في العمارة الفارسية والإسلامية.

والإيوان هو قاعة أو مساحة مستطيلة الشكل مفتوحة من جانب واحد تطل على ساحة مكشوفة أو فناء داخلي (صحن)، مغلقة من ثلاثة جوانب تهدف الى توفير الظل والخصوصية.

وتُسقّف الأواوين على شكل قبو نصف أسطواني أو عُقد مزينة بالمقرنصات والزخارف الهندسية.

وتفيد المصادر التاريخية بأن أصل الإيوان يعود إلى العمارة البارثية في بلاد فارس القديمة.

وظهرت الأواوين في العتبات المقدسة مع بداية عمارتها كقاعات للتدريس ومساكن للزوار.

يقول المؤرخ سعيد زميزم، "إنّ كلمة إيوان هي كلمة شعبية أصلها في اللغة العربية الفصيحة الإيواء أي المكان الآمن أو مكان الاستراحة".

وبحسب زميزم، فإنّ "أصل صحن العباس عليه السلام يعود إلى أوّل بناء للمرقد سنة 65 هـ، تلته أعمال إعمار متعاقبة في العصور البويهية والصفوية والقاجارية والعثمانية".

ويضيف، "في الماضي كان الإيوان مكان إيواء واستراحة فعلي، يبيت فيه بعض الزائرين، حتى عُدّ بمنزلة الفندق في زمن غابت فيه الطرق المُعبدة ووسائل النقل الحديثة". 

مبيناً، "أمّا الغُرف المُلحقة به، فبعد وعي الناس بأن هذه الأماكن يجب استثمارها بصورة أخرى فاستُخدمت استخدامات عِدّة منها، سكناً لطلبة العلوم الدينية، وأماكن للتدريس وحفظ الكتب، ومفارز للشرطة، ومستودعات خزن".

desc-1165939cf74ef225.jpeg


تزييف التاريخ

خلف هذه السكينة، يحمل المكان تأريخاً أكثر قسوة، فيروي زميزم أنّ "السلاطين العثمانيين والحُكّام القاجاريين، الذين مَوّلوا تذهيب الأواوين وتغليفها، كتبوا عليها أسماءهم كرعاة لها، قبل أن تُمحى عام 1968 وتُستبدل بأسماء رموز حزب البعث، ثم تُمحى هذه بعد 2003 لتحلّ محلّها آياتٌ قرآنية وأدعية.

أمّا الغرف الملحقة، فاستُغلت في زمن النظام السابق كمقارّ للأجهزة الأمنية، يُحتَجَز فيها الزائرون ويُحقّق معهم ويُضربون، واستُخدمت أيضاً في أثناء صراع البعث والحزب الشيوعي لاحتجاز أشخاص وإجبارهم على تعهدات، بينما كانت تُقدّم لمن يسمع صرخات المحتجزين تبريرات مُضللة تخفي حقيقة ما يجري.

صحن الروضة المُطهَّرة

يحيط بصحن أبي الفضل عليه السلام 57 إيواناً في كل طابق، أي 114 إيواناً بعد مشروع التوحيد المعماري الذي اكتمل مؤخراً، موزعة على الأضلاع الأربعة دون تقسيم متساوٍ تماماً بسبب اختلاف مواقع الأبواب والإيوانات الكبرى.

وبحسب الشيخ زين العابدين القريشي، معاون رئيس قسم رعاية الصحن الشريف، يتّسع الإيوان الواحد في أثناء الصلاة لنحو تسعة أشخاص، ويصل استيعابه خارج أوقات الصلاة إلى خمسة عشر شخصاً".

ويضيف، "عشرة أواوين منها مخصصة كسقايات مياه، ستة للنساء وأربعة للرجال، فيما تُستَثمر أواوين أخرى لنشر السواد في المناسبات، وإقامة المنابر ومجالس العزاء، ويضم أحدها المحراب الرسمي للصلاة".

ويبيّن، "ينتشر في بعض الأواوين مراكز للاستفتاءات الشرعية وبعضها تُقام فيها برامج لتعليم الصلاة والقراءة الصحيحة، ومباحثة طلبة الصفوف المنتهية صيفاً".


desc-e20b9d09ddf9dbdc.jpeg

الرعاية مستمرة

في وسط هذا الاستخدام اليومي المكثّف، يؤدّي جاسم روتيناً يتكرر مرتين، تنظيفًا صباحيًّا يبدأ فور المباشرة بالدوام وينتهي قبيل صلاة الظهر، وتنظيفًا مسائيًّا يُعيد الكرة، بحسب ما يوضحه المنتسب في قسم رعاية الصحن الشريف زميله بشير يس خضير، الذي يخدم العتبة العباسية المقدسة منذ ثمانية عشر عاماً، تاركين التعطير لشعبة مُختَصّة تستخدم العطر الخام الزيتي لضمان ديمومة الرائحة، أمّا الزوايا الدقيقة في الكاشي الكربلائي، فيتولّاها فريق بسقّالات خاصة.

فور دخوله يومياً، يؤدّي جاسم مراسم الزيارة عند مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، ويصلّي صلاة الزيارة، قبل أن يمضي نحو الأواوين حاملاً أدواته، بدافع يصفه بجملة واحدة، "كلّما نظّفت الإيوان أشعر أن لدي دافعاً يطلب مني أن أقدّم أكثر، لقربي من المولى أبي الفضل عليه السلام." 

ويختصر بشير أكثر من عقد ونصف في العمل ذاته بقوله، "مشاعري لا يمكن وصفها".

ويوضّح، "نحن منذ بداية الدوام نستحضر أننا نخدم أبا الفضل العباس عليه السلام، وهذه الخدمة شرف يفوق كلّ وصف".


هدوء وسكينة

زوّار المولى أبي الفضل العباس عليه السلام يُمعنون بالنظر إلى النقوش الدقيقة في الإيوان، بسكينتهم عند الجلوس فيه، ويقول الزائر عدنان أحمد من الناصرية، "جلست في الإيوان بعد الزيارة، وشعرت أن الحجر نفسه يهدّئ القلب."

من جهته يروي علي حسين من محافظة البصرة كيف استوقفه سقف الإيوان قبل أرضيته، "رفعت رأسي لأقرأ الآية المكتوبة فوقي، ونسيت لدقائق أنني في مكان عام يمر منه آلاف الناس." 

أمّا الزائر زهير أحمد من محافظة الديوانية، اعتاد الزيارة كل أربعين، فيصف الإيوان بأنّه "المكان الوحيد الذي لا أشعر فيه بثقل السنين على ركبتي، وكأن الجلوس هنا يُنعش الروح".


صيانة وإدامة

هذا الإرث الثقيل هو ما استهدفه مشروع هندسي واسع اكتمل منذ أربع سنوات، بحسب ما أوضحه رئيس قسم المشاريع الهندسية في العتبة العباسية المقدسة المهندس ضياء مجيد الصائغ.

قائلا، إنّ "مشروع صيانة وتغليف أواوين الطابق الأرضي لصحن أبي الفضل العباس عليه السلام هو امتداد لمشروع ترميم وصيانة أواوين العتبة العباسية المقدسة، والتي شملت في مرحلتها الأولى الطابق العلويّ لبناء وتغليف أواوينه وقد تم الانتهاء منه قبل أكثر من أربعة سنين".

مبينا، "شمل بناءً كاملاً لأواوين الطابق الثاني على جميع أضلاع السور الأربعة وتغليف واجهات الأواوين والغرف بمقرنصات الكاشي الكربلائي لجميع أقواسها ثمّ غُلّف ما تبقّى منها بالكاشي الكربلائي".

وتضم زخرفة أربعة عناصر وهي المقرنصات الشبيهة بخلايا النحل، والزخارف النباتية والأرابيسك، والأشكال الهندسية المتكررة، وكتابات قرآنية تزين الإيوانات الكبرى، لاعتبارات إنشائية توزع الأحمال، وجمالية تمنح عمقاً بصرياً، ورمزية تعكس السمو الروحي، وبيئية تلطف الحرارة وتمنح الظل".

حين ينتهي دوام جاسم، يُلقي نظرة أخيرة على الأواوين، وإن وجد شيئًا يستحق الإتمام يبقى وقتًا إضافيًا ليخدم المولى أبا الفضل عليه السلام وزوّاره.