على ضفاف نهر دجلة الذي يقسم محافظة واسط شرقي العراق، كان الباحث محمد جليل الحسناوي يواصل الليل بالنهار أملًا في أن يرى مشروعه البحثي النور.
وها هو يقطف ثمار جهده بنتائج يُشار إليها بالبنان.
فالحسناوي القادم إلى كربلاء المقدسة من مدينة الكوت، تمكّن بعد سنتين من الجهد والمثابرة من أن يلج عالم إعراب كتاب نهج البلاغة وتفكيك جمله نحويا بشكل مُتقَن، بحسب ما يقوله الباحثون.
ونهج البلاغة كتاب جمع فيه العالم الجليل الشريف الرضي عام 384 هجرية ما تفرق من خطب الإمام علي عليه السلام، ومراسلاته لولاته على أمصار الدولة الإسلامية في تلك الحقبة، فضلًا عن احتواء الكتاب على قصار كلماته، ويوصف بـ "سنام الفصاحة ومكمن البلاغة".
وتبنّى قسم مركز الدراسات والمراجعة العلمية في العتبة العباسية المقدسة طباعة مؤلف الباحث الحسناوي على شكل كتاب حمل عنوان "إعراب نهج البلاغة"، ويتكوّن من عشرة أجزاء، وبواقع 7000 صفحة".
يشير الحسناوي، إلى أنّ "الكتاب جاء جزء من موسوعة شاملة تناقش المفردة العربية لثلاثة كتب أصيلة، وهي القرآن الكريم، ونهج البلاغة، والصحيفة السّجاديّة".
موضحًا، "هذا الجهد يركّز على معالجة الألفاظ والتراكيب لهذه الأسفار الثلاثة ضمن أربعة مستويات، اللغة، والصرف، والنحو، والبلاغة".
مضيفًا، "كان كتاب إعراب نهج البلاغة هو نتاج المستوى الثالث".
ويرى الحسناوي أن، "قرار الشروع في كتاب إعراب نهج البلاغة ليس ترفا علميا، بل جاء ضرورة مُلحّة تفرضها مكانة الكتاب الأدبية والتاريخية والدينية".
والحسناوي الذي أمضي حتى الآن قرابة 17 عامًا في مجال التأليف والتصنيف والتحقيق، أصدر عشرات الكتب، وهو حاصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية.
ويعمل الآن تدريسيًا في إحدى مدارس الكوت الثانوية، مُتّخذا من التدريس وسيلة لنشر علوم القرآن واللغة العربية بين أبناء المجتمع الواسطي.
إذ يعزو الحسناوي تكريس جهوده في إنجاز الكتاب إلى، "حاجة المكتبة الإسلامية إلى مثل هذا التصنيف، وحاجة الباحثين من الأكاديميين والحوزيين إليه".
مُشيرًا، إلى أنّ "أعراب نهج البلاغة يقدّم خدمة جليلة للمحاور الإسلامية الثلاثة، وهي، القضايا الإلهية، والأحكام الشرعية، والمبادئ الأخلاقية".
موضحًا، "الإعراب يعمل على الربط بين الألفاظ ودلالاتها العقائدية والتشريعية والأخلاقية، فيساعد المتخصصين على استنباط الأحكام والمبادئ من تلك النصوص".
بدوره يشير الباحث ضياء فرهود علوان الدريساوي إلى، أنّ "كتاب إعراب نهج البلاغة موسوعة إعرابية متكاملة، وهي واحدة من أبرز وأحدث الدراسات الشمولية اللغوية والنحوية المعاصرة، التي ناقشت النص الشريف لـ (نهج البلاغة) ضمن المحور التركيبي للمفردة اللغوية".
مبينا، "الكتاب أضاف بحق بصمة واضحة في حقول اللسانيات، والمعاجم الموضوعية، ودراسات النصوص الأدبية، وجعلت من منهاجه الدقيق ونفسه الطويل في معالجة تراكيبه مصدراً لزملائه وأقرانه في مدينته وغيرها".
مكملا، "لقد مهّد الكتاب لمصنفات أخرى واقعة ضمن الهدف الرئيسي، الذي طالما سعى له الحسناوي فجاء بعده بكتابين إكمالا لما بدأه، وهما (المعجم الصرفي المفصل لألفاظ نهج البلاغة)، الذي عالج المحور الثاني للمفردة العربية في نهج البلاغة، ثم تلاه كتاب (البلاغة في نهج البلاغة) ليعالج عن طريقه التراكيب في مستواها الأسلوبي من بيان وبديع ومعان"ٍ.
مشيرا، "هذا الكتاب لا يقتصر على الإعراب المختصر والبسيط، بل عمل على تقديم دراسة لغوية نحوية معالِجة ومفصِّلة للتراكيب والأساليب الواردة في الخطب، الرسائل، والحِكَم".
ويختتم، "لقد لاقى الكتاب مقبولية منقطعة النظير في الأوساط الأكاديمية والحوزوية، وانتشر في بلدان عدة وحصل على جوائز محلية ودولية".
ورشح الكتاب ليتنافس مع (1400) كتاب وإصدار علمي من مختلف الدول الإسلامية، وقد فاز الكتاب بـ (المركز الأول مع رتبة الشرف) ليحصل له التكريم في قم المقدسة على يد آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني الذي بارك هذا الإنجاز.
ثم رُشّح الكتاب كأفضل كتاب في الحوزات العلمية في قم المقدسة من بين عشرة كتب ليفوز بالجائزة الأولى والكبرى في مؤتمر (سال طهران).
كذلك بادرت المكتبة العامة في جامعة طوكيو في اليابان والتي تُعد واحدة من أكبر المكتبات في العالم بترجمة كتاب (إعراب نهج البلاغة) للغة اليابانية بعد تصنيفه ضمن الكتب المميزة والنادرة.

من جهته يعلّق الأستاذ الشيخ كرار حكيم داخل الشمري قائلا، "يقف كتاب إعراب نهج البلاغة، واحدا من أهم المصادر اللغوية والنحوية التي خدمت تراث الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام".
مضيفاً، "مُجسدا التقاء البلاغة العلوية الشامخة بدقة النحو العربي وقواعده الرصينة".
مبيناً، "فقد شكّل هذا الكتاب جسرًا حيويا بين بلاغة النص الأدبي الشاهق وعلم الإعراب، ليقدّم للمهتمين باللغة والدين رؤية تحليلية متكاملة، تكشف عن الأسرار النحوية والدلالية وراء كل جملة وتركيب".
ويرى الشمري، أنّ "هذه الموسوعة تستهدف طبقتين، الطبقة الأولى، الذين أكملوا مرحلة البكالوريوس، والطبقة الأخرى تستهدف طبقة الطلبة الذين أكملوا المقدمات في الحوزة".
إلى ذلك يشير فضيلة الشيخ حسن الجوادي مدير مركز الدراسات والمراجعة العلمية إلى، أنّ "هذا الإصدار هو الأول من نوعه الذي جرى طبعه، ويضاف إليه إصدارات أخرى من نفس المؤلف" وهو (المعجم المفصل لألفاظ نهج البلاغة)".
مبينا، "هو من المؤلفات الفريدة".
ويضيف، "أيضًا لدينا كتاب آخر يحمل اسم (الإمامة في الكتاب والسنة والتاريخ والأدب) للسيد محمد باقر الجلالي".