في زاوية دافئة من قاعة نافذ البصيرة بمجمّع الإمام الصادق عليه السلام، لأقسام العتبة العباسية المقدسة، كان الطفل حيدر ياسر ذو السنوات الثلاث عشرة، يجلس أمام شاشته برأس مُثقل بالأسئلة، وأصابع صغيرة تنتقل ببطء على لوحة المفاتيح.
ليخوض تجربة الحاسوب الإلكتروني في برنامج الكفيل للبرمجة، وهي خطوة متقدمة في عالم الإلكترونيات والبرمجيات، وابتكار تطبيقات الشبكات والأمن السيبراني، التي طالما شغف بها الشبل حيدر في حياته اليومية.
وكشافة الكفيل للبرمجة هو أحد مشاريع قسم التطوير والتنمية المستدامة في العتبة العباسية المقدسة، ويضمّ برنامجًا تدريبيًّا خاصًّا في مجال تقنيات المعلومات، يستهدف مجموعة من أشبال جمعية كشافة الكفيل التابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية.
البرنامج التدريبي هذا يتضمّن ثلاثة مستويات يخضع لها المتدرب، انطلاقًا من تعليم البرمجة في لغة بايثون ضمن المستوى الأول، وبعدها ينتقل المتدرب إلى المستوى الثاني ليتعلم مبادئ علم شبكات الحاسوب، وفي ختام البرنامج يتعلم مهارات الأمن السيبراني.
الطفل حيدر ومع كل محاولة، كانت تظهر له رسالة خطأ باللون الأحمر تجعله يشعر بالتردد والإحباط.
اقترب منه مهندس تلك الدورة الكشفية، الأستاذ حيدر غازي الشامي المعاون الفني في قسم التطوير والتنمية المستدامة، المختص في مجال الأمن السيبراني والشبكات، وبدلا من أن يعطيه الحل جاهزا، وضع يده على كتفه وقال له بلطف، "الكشاف لا يستسلم يا حيدر، والبرمجة ليست مجرد كتابة أسطر برمجية، بل هي فنّ حلّ المشكلات والصبر على أخطائنا".
عندئذ استعاد حيدر إصراره على المواصلة والبحث في تفكيك الشفرة البرمجية خطوة تتلو خطوة.

تحديد المشكلة
اكتشف حيدر أنّ الخطأ كان في شق بسيط يتعلق ببعض التوقيتات والمراحل، لذلك قام بتقسيم الشفرة البرمجية إلى أجزاء أصغر وأسهل في التحكم.
واصل حيدر المحاولة حتى اختفت جميع رسائل الخطأ الحمراء، وحل محلها إشعار أخضر جميل يعلن نجاح التشغيل.
هذا مما رسم على ملامح الشبل حيدر بثيابه الكشفية الكحلية ومنديله الملون فرحة كبيرة، لأنّه في مقام من فهم الدرس، إنّ العقل المبتكر والإرادة القوية هما البوصلة الحقيقية لبناء المستقبل.
ويصف مهندس المشروع التدريبي حيدر غازي الشامي الحاصل على شهادة الماجستير من إحدى الجامعات الروسية، مشروع فرقة البرمجة التابع إلى كشافة الكفيل، "من البرامج الواعدة والمهمة في عالم التطبيقات الإلكترونية".
ويضيف، "يهدف المشروع إلى إعداد فريق من الأشبال وتدريبهم في مجال الحاسبات بالعموم، ومجال الشبكات والبرمجة والأمن السيبراني بوجه خاص".
مبينا، "نأمل أن نصل بهم إلى المستوى العالمي، وأن ننافس بهم الشركات العالمية والمختصين العالميين".
وانطلق المشروع في العام 2024 ليستقطب قرابة 22 شبلًا، تتراوح أعمارهم ما بين الخامس الابتدائي إلى الثاني متوسط.
ويبتدأ المشروع بالتدريب على لغة بايثون، ثم تدريبهم على لغات وتقنيات الويب مثل HTML، وأنظمة إدارة المحتوى (CMS)، وجافا سكريبت (JavaScript)، وبايثون/ بي إتش بي (PHP)، وقواعد البيانات مثل MySQL.
يشير المعاون الفني إلى، أنّ "التسلسل الزمني يمنح الأشبال القدرة على بناء وتطوير المواقع والتطبيقات بشكل متكامل، ففي حدود تلك الرؤية وصلنا ولله الحمد إلى خمس لغات برمجية، ومستوى إتقان عالٍ للبرمجيات، وتم إنجاز ما مجموعه 32 مشروعًا برمجيًّا، ثم انتقلنا إلى مستوى مجال شبكات الحاسوب ضمن منهاج Cisco CCNA".
مبيناً، "لذلك بلغ الفتية مبلغ الاحتراف حاليا في مجال الحاسوب، وهذا مكّنهم من إنجاز العديد من المشاريع السيبرانية والبرمجية بمستوى عالٍ من الاحتراف، وملامسة حقيقة خوض تجربة الانتقال من فكرة الأستاذ والطالب والصف في عمليات التدريب، إلى فكرة جعل المتدربين يتدربون ذاتيا".
وبحسب الشامي فإنّ هذه المقدمات هي التي صقلت مواهب أولئك الفتية ونقلها من مستوى إلى مستوى متقدم، أوّلها أكثر من ست لغات برمجية عالية جدا، وثانيها خبرة في مجال الشبكات والأمن السيبراني.
منوهاً، "ما إلى ذلك من المزايا الأخرى التي يمتاز بها أعضاء هذه الفرقة بالاحترافية، ولا سيما في مجال إلقاء المحاضرات، وكيفية الوقوف على المنصات، وأسلوب المحاضر".

مستويات تضاهي طلبة الجامعات
بدوره يعلق الدكتور محمد حسن جابر الذي يتولى رئاسة قسم التطوير والتنمية المستدامة في العتبة العباسية المقدسة، أنّ "عملية اختيار هؤلاء الفتية المشاركين بهذه الدورة تجري عن طريق انتخابهم من لدن إدارة كشافة الكفيل".
مضيفا، "عمليات تدريب أولئك الأشبال تخضع لتوقيتات صارمة".
مبينا، "في أيام السنة الدراسية يحدد يوم واحد في الأسبوع فقط وهو الجمعة، لمدة ثلاث إلى أربع ساعات".
مُكملًا، "أمّا في أيام العطلة الصيفية والعطلة الشتوية يكون حضور الطلبة من ثلاثة إلى أربعة أيام في الأسبوع، بواقع ثلاث ساعات يوميا".
ويرى جابر أنّ مستوى الأشبال على الصعيد الفني "أصبح ينافس مستوى طلاب الجامعات المختصة في مجال الحاسوب".
مشيرا، "بل أكثر من ذلك، كان الانبهار حاضرا من لدن أساتذة وطلاب تلك الجامعات، بسبب ما يمتلكه هؤلاء الفتية من خبرات وإمكانيات عالية وعالية جدا".
فلسفة التدريب
محمود أحمد كاظم صحفي ومدرب ذكاء اصطناعي وعامل في مجال تطويره وتوظيفه لخدمة المهارات المهنية تبسم وهو يصف تجربة كشافة الكفيل للبرمجة، "ما تقدمه العتبة العباسية المقدسة عن طريق هذا المشروع التدريبي، يُعدّ نموذجا رائدا يستحق الإشادة والتوقف عنده".
موضحاً، "ما لفت انتباهي بشكل خاص، هو الفلسفة التي يقوم عليها التدريب، وهي الانتقال من مرحلة الأستاذ والطالب، إلى مرحلة التدريب الذاتي، وهذا بالضبط المنهج الذي يجب أن تبنى عليه أيّ تجربة تعليمية في مجال التقنية والذكاء الاصطناعي اليوم".
معلقا، "نحن اليوم في عصر تتسارع فيه التقنية بشكل غير مسبوق، ولا يكفي أن نكون مستهلكين لهذه التقنية".
ويضيف، "بل لا بد أن نَعدّ أجيالا قادرة على صناعتها، وفهم لغتها من الداخل، وهذا بالضبط ما ينجزه هذا المشروع، حين يأخذ بيد أطفال في عمر البراءة، ويضعهم على أول طريق البرمجة وعلوم الشبكات والأمن السيبراني، بأسلوبٍ تربويٍّ يوازن بين الانضباط الكشفي وروح الابتكار".