image alt

مركز الشيخ الطوسي ... ضالّة كلّ باحث

مركز الشيخ الطوسي ... ضالّة كلّ باحث

لم يكن محمد علي يبحث عن كتابٍ موجود على رفٍ قريب، ولا عن عنوانٍ يمكن الوصول إليه بضغطة زرّ، بل كان يبحث عن مخطوطةٍ قديمة، تحمل بين صفحاتها مادةً علمية يحتاج إليها في بحثه، لكنّه كلّما تتبع أثرها وجد نفسه أمام طريقٍ مسدود.

فتش في الفهارس، وسأل الباحثين، وتتبع ما كُتب عنها، ولكنّ المخطوطة بقيت بعيدة عن متناول يده، وكأنّ الوصول إليها يحتاج إلى أكثر من معرفة عنوانها ومؤلفها.

كانت المشكلة بالنسبة لمحمد علي أنّ العثور على المخطوطة لم يكن نهاية المهمة، فحتّى لو عثر عليها، يبقى السؤال الأهم، هل هذه هي النسخة التي يبحث عنها؟ وهل النص الموجود فيها صحيح ويمكن الاعتماد عليه علميًا؟

وسط هذه الحيرة، وصل إلى مركز الشيخ الطوسي للدراسات والتحقيق، وهو مركز متخصص يعنى بتحقيق تراث الحوزة العلمية كالفقه والأصول والرجال، اعتمادًا على ملاك حوزوي في الغالب من طلاب البحث الخارج والسطوح العليا.

 حيث تحوّلت رحلة البحث الفردية إلى عملٍ متخصص يبدأ من الفهارس ومصادر المخطوطات.

desc-ecc63aec28232adf.jpeg

يعمل المركز، الذي انطلقت أعماله فعليًا في نهاية عام 2017، على إحياء التراث المخطوط للحوزة العلمية بصورة عامة، وتراث حوزة النجف الأشرف بصورة خاصة، ولا سيما المخطوطات المرتبطة بالفقه والأصول والرجال والدراية والحديث وغيرها من العلوم الحوزوية.

بالنسبة إلى محمد علي، لم يكن الأمر مجرد العثور على نسخة من كتاب، فقد كان يحتاج إلى مخطوطة يمكن الاطمئنان إلى قيمتها العلمية، وهنا بدأت المهمة التي يختص بها المركز.

يبحث المختصون في المركز ضمن فهارس المخطوطات، ثم تُدرس النسخة التي يتم العثور عليها لمعرفة قيمتها العلمية ومدى صلاحيتها للعمل، قبل أن تبدأ مراحل أخرى من التعامل معها.

فالمخطوطة، في رحلة إحيائها، لا تنتقل مباشرة إلى المطبعة.

بعد اختيارها تأتي مرحلة التنضيد، ثم المقابلة، حيث يُقارَن النص المُنضَّد بالمخطوطة الأصلية للتأكد من عدم سقوط كلمات أو عبارات أو وقوع أخطاء في أثناء نقلها.

وبعدها ينتقل العمل إلى قسم التحقيق لتخريج النصوص والأقوال والمصادر، ثم يخضع الكتاب للمراجعة العلمية والتدقيق اللغوي والإخراج الفني قبل وصوله إلى المطبعة.

وهذه المراحل هي التي تجعل العثور على المخطوطة بدايةً للعمل، لا نهايته.

أما محمد علي، الذي دخل المركز وفي ذهنه سؤال واحد عن مخطوطته، وجد أن ما كان يبحث عنه لم يكن مجرد نسخة قديمة من كتاب، وإنّما نصًّا يحتاج إلى عينٍ علمية تعيد قراءته وتتحقق منه وتضعه في متناول الباحثين.

desc-7d7f52f20f99b7a7.jpeg

ومن هنا بدأت تتغير صورة المخطوطة في نظره فلم تعد صفحاتٍ صفراء يصعب الوصول إليها، بل أصبحت مشروعًا علميًا يمكن أن يعود إلى الحياة إذا وجدت الجهة القادرة على البحث عنها وتحقيقها.

وهذه واحدة من الحكايات التي تكشف جانبًا من عمل مركز الشيخ الطوسي، فخلف كلّ عنوانٍ مُحَقَّق قصة بحث، وخلف كل مخطوطةٍ أعيد إحياؤها رحلةٌ تبدأ غالبًا بسؤال باحث، وتنتهي بكتابٍ يستطيع آخرون أن يقرؤوه ويبنوا عليه دراساتهم.

وقد بلغ رصيد المركز نحو 90 عنوانًا مطبوعًا، بأكثر من 150 مجلدًا تقريبًا، في مسارٍ يواصل عن طريقه المركز العمل على نشر علوم أهل البيت عليهم السلام، وعلوم المذهب والحوزة، وإتاحة هذا التراث أمام طلاب الحوزة والباحثين والمثقفين والأكاديميين وأساتذة الجامعات.

يقول السيد إبراهيم صالح الشريفي معاون مدير مركز الشيخ الطوسي للدراسات الإسلامية، إنّ "المركز امتاز بتحقيق المناهل، وهو كتاب فقهي اساتدلالي كبير للسيد المجاهد، يتكون من 18 جزءًا، فضلًا عن جزء الصفر، والذي يُعدّ مقدمته".

مبينا، "هو من أبرز الكتب الفقهية الذي يغطّي جميع أبواب الفقه، من الطهارة الى القضاء والشهادات، ويُعدّ من أهمّ المصادر الفقهية والاستدلالية التي تعرضت لآراء العلماء ومناقشتها ويستقصي أقوال الفقهاء والأصوليين منذ زمن الشيخ الطوسي والشيخ المفيد، وصولًا إلى عصر المؤلف".

وبالنسبة إلى محمد علي، ربما كانت المخطوطة التي أتعَبَتْهُ في البحث عنها مجرد عنوانٍ في بداية القصة، ولكنّها تحوّلت بعد الوصول إليها إلى دليلٍ على أنّ بعض الكتب لا تضيع فعلًا، إنّها فقط تنتظر مَن يبحث عنها، ومَن يمتلك الأدوات التي تعيدها من عتمة الرفوف إلى نور المعرفة.

desc-fe0bf89e8faf21b2.jpeg