image alt

العالم يعتمد منهج العتبة العباسية المقدسة

العالم يعتمد منهج العتبة العباسية المقدسة

العالم يعتمد منهج العتبة العباسية المقدسة


خطوط معقدة ورموز مبهمة مكتوبة في مخطوطة قديمة، تتفحصها عينا المُفهرِس "علي طالب"، وهو يحاول فك شيفرتها على وفق قواعد علمية متبعة دوليا في عالم الفهرسة الخاص بالمكتبات المتخصصة.

كانت الساعات تتلو الساعات والأيام تصبح أسابيع، وعلي طالب يعكف على إنجاز ابتكار يُعد سابقة على صعيد العالم العربي، وهو كتاب "فهرسة المخطوطات وفق معيار MARC21 وقواعد RDA.

ذلك الإنجاز الذي حضي باهتمام كبير في أروقة المكتبات العالمية دفعت مدير مكتبة الكونغرس الأمريكي في القاهرة إلى التواصل مع علي طالب، مطالبا منحه الإذن بترجمة هذا الكتاب من اللغة العربية إلى اللغة الإنكليزية.

فبحسب مدير مكتبة الكونغرس الدكتور أيمن المصري، فإنّ الكتاب الذي أعدّه المفهرس علي طالب، وتبنّاه مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، يُعد الأول من نوعه الذي يعالج فهرسة المخطوطات بهذا الأسلوب الفريد.

يعلق علي طالب، "قبل سنوات قليلة كنت اتصفح قاعدة بيانات المكتبات المحلية والدولية باحثا عن أي منهج لفهرسة المخطوطات العربية على وفق القواعد العالمية الحديثة".

مضيفا، "وجدت أنّ الساحة خالية تماماً، مما دفعني إلى إعداد هذا الكتاب ليكون المرجع العربي الأول من نوعه، قبل أن يُترجم إلى الإنكليزية لاحقا".

واصفا مشاعره، "لا يوجد شيء أجمل من تقديم خدمة للجميع."

ويتولى علي طالب الذي انتسب إلى العتبة العباسية المقدسة منذ اثني عشر عاما، مسؤولية وحدة الضبط الموضوعي في مركز الفهرسة ونظم المعلومات.

ويعمل المركز على تنظيم وفهرسة مصادر المعرفة والمخطوطات والكتب على وفق معايير علمية، وبناء قواعد بيانات تسهّل الوصول إليها.

desc-a66f80b051d7b0fd.jpeg

منطلق الحاجة والابتكار

ويذكر علي طالب حين بدأ عمله مع المخطوطات، وجد نفسه أمام معضلة تتجاوز قلة الخبرة، إذ يقول بدهشة، "يغيب عن العالم أي منهج موحد لفهرسة هذا الوعاء المعرفي على وفق القواعد الدولية".

ويضيف، "كل مكتبة في العالم العربي تمارس أسلوبها الخاص، دون قانون يحكم كيف يوضع عنوان المخطوطة، ودون معيار يضبطُ كيفية تحديد مؤلفها، ودون دليل يرشد المفهرس إلى التعامل مع الرموز الغامضة التي اخترعها الناسخون القدامى".

معلقا، "الفهرسة هي مفتاح تحقيق المخطوط، فالباحث الذي يريد دراسة مخطوطة ما يبدأ من بطاقة فهرستها، وعند غيابها أو اضطرابها يضيع وقته وجهده في دوامة تنتهي أحياناً بتحقيق ناقص أو مغلوط".

مشيرا، "عندئذ آليت على نفسي صياغة منهج خاص يعالج فهرسة المخطوطات العربية على وفق قواعد RDA، وهي إحدى أحدث قواعد وصف المصادر المعتمدة في مكتبات العالم وإتاحتها، إلى جانب صيغة مارك 21، وهي من أبرز الصيغ المستخدمة في تنظيم البيانات الببليوغرافية آلياً.

بدوره يرى الأستاذ حسنين أحمد الموسوي مدير مركز الفهرسة ونظم المعلومات أنّ الباحث "علي طالب" يتمتع بموهبة فريدة وتصميم شديد على تحقيق منجزات على صعيد هذا العلم".

قائلا، "تميّز بما يمتلكه من موهبة منذ بداية اشتراكه في أولى الدورات التدريبية التي نظمها المركز".

مضيفا، "التحق بالمركز عام 2014، ونَمَت مهاراته في قراءة الخط ومعرفة طبيعة المخطوطات وألغازها، قبل أن قبل أن يتبادر إلى ذهنه كيف تفهرس هذه المخطوطة بمعيار عالمي موحد".

وصدرت الطبعة الأولى عام 2021، وكانت الأولى من نوعها في العالم العربي، كتاباً يجمع بين المعايير العالمية لفهرسة المخطوطات وطبيعة المخطوطة العربية تحديداً.

من جهته يشير الدكتور محمد فتحي عبد الهادي، أستاذ علم المعلومات في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأحد أبرز المتخصصين في المخطوطات العربية، ويلقب بـ"أبو المخطوطات"، إلى أنّ "الكتاب بات مرجعاً لطلاب الماجستير والدكتوراه في مجال فهرسة المخطوطات".

ويقول الدكتور عبد الهادي، أن "المخطوطات العربية هي الآثار الفكرية النفيسة التي تمثل إرث العلماء العرب والمسلمين عبر قرون، وأن فهرستها على وفق القواعد العالمية يتيح للعالم كله الوصول إليها والإفادة منها، وهو ما جعل هذا الكتاب ضرورة حقيقية".

واعتمد الكتاب في معهد المخطوطات العربية في القاهرة، واستند إليه الطلاب في رسائلهم الأكاديمية.

وصدرت طبعة ثانية من الكتاب معززة بالأمثلة والصور، في عام 2025، وتضمنت التحديثات التي طرأت على قواعد الفهرسة العالمية، وأمثلة أوسع، فيما كتب الدكتور عبد الهادي مقدمة الكتاب بنفسه.

وبعد الطبعة الثانية اعتمدت جامعة دمشق الكتاب، وأيضا المؤتمر السنوي لجمعيات المكتبات اللبنانية الذي أوصى باعتماده في أقسام المكتبات ومراكز المعلومات.