image alt

العتبة العباسية تحوّل الأماني الى واقع

مشروع مليون شجرة يرى النور في كربلاء

العتبة العباسية تحوّل الأماني الى واقع


لم تكن بداية المشروع هذه المرّة من قاعة اجتماعات، ولا من خلف مكتب تُتخذ فيه القرارات، بل من قلب الأرض نفسها.

هناك، حيث تمتد المساحات الصحراوية في مزرعة العوالي على مساحة 50 ألف دونم، وقف الأمين العام للعتبة العباسية المقدسة السيد مصطفى مرتضى آل ضياء الدين وسط الأرض، ليكون حاضرًا في اللحظة الأولى التي تبدأ فيها الصحراء بتغيير ملامحها.

انحنى السيد الأمين، وقلّب التربة بيديه، ثم أمسك بإحدى الفسائل وغرسها في الأرض، في مشهد اختصر فكرة المشروع بأكملها؛ فالمليون شجرة التي ستكبر هنا لم تبدأ من الأرقام والخطط فقط، وإنما بدأت بيدٍ لامست التراب، وإرادةٍ تسعى إلى أن تجعل من الأرض القاحلة مساحة خضراء.

وبإشرافه ومتابعته، انطلقت المرحلة الأولى من مشروع الأحزمة الخضراء في مزرعة العوالي، مستهدفة زراعة حزام أخضر يمتد لنحو 90 كيلومترًا، وبمعدل مليون شجرة، جرى إكثارها في مشاتل العتبة العباسية المقدسة استعدادًا لزراعتها في هذه المساحات.

كان السيد الأمين يتنقّل بين مواقع الزراعة، ويتابع عمليات غرس الفسائل، ويشرف على انطلاقة المشروع، وكأنّ المشهد يقول، إنّ مواجهة التصحر لا تبدأ دائمًا بآليات كبيرة؛ فأحيانًا تبدأ من حفرة صغيرة في الأرض، وفسيلة توضع فيها، ثم تمتد جذورها لتصنع مستقبلًا أخضر.

لم تكن تلك الفسيلة التي غرسها مجرد شجرة أُولى في مشروع كبير، بل كانت عنوانًا لمرحلة جديدة في التعامل مع الأرض؛ مرحلة ترى في الصحراء أرضًا قابلة للحياة، وفي الزراعة طريقًا لاستثمار موارد العراق وحماية بيئته وثروته المائية.

وجاءت هذه المباشرة عقب انتهاء زيارة أربعينية الإمام الحسين عليه السلام، وبتوجيه من المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة وكيل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، لتبدأ معها خطوة جديدة في مشروع استصلاح الأراضي ومواجهة التصحر.

ويبين الأمين العام للعتبة العباسية المقدسة السيد مصطفى مرتضى آل ضياء الدين، إن "العتبة باشرت زراعة الأحزمة الخضراء في مزرعة العوالي بعد انتهاء الزيارة الأربعينية".

مضيفا، "سيسهم تشكيل حزام أخضر يحيط بالمدينة في الحد من آثار التصحر والتغير المناخي، فضلاً عن فتح الطريق أمام استثمار مساحات أوسع من الأراضي في الزراعة".

فالمشروع لا يتوقّف عند زراعة الأشجار، فالأحزمة الخضراء، كما يوضح السيد الأمين، تعالج قضية التصحر، وتحافظ على بيئة جميلة حول مدينة كربلاء المقدسة، وتمثل في الوقت ذاته بداية للتوسع في زراعة مختلف المحاصيل واستثمار الأراضي العراقية.

desc-6cc34720a86c29da.jpeg

وبحسب آل ضياء الدين، فإنّ العراق "بأكمله أرض خصبة، وإن التجارب التي نفذتها العتبات المقدسة في استصلاح المناطق الصحراوية أثبتت إمكانية تحويل الأرض القاحلة إلى مناطق منتجة".

مستشهداً بما "تحقق في مزرعة الساقي ومزرعة الفردوس من واحات كبيرة للنخيل وزراعات أخرى".

ولم تكن كربلاء، التي عرفت عبر تاريخها بأرض الطف والحائر، بمنأى عن التحولات التي فرضتها الطبيعة والمناخ على المدن العراقية.

فهذه المدينة التي تمتد جذورها في عمق التاريخ، والتي ارتبط اسمها بأرض النهرين والفرات، تواجه اليوم تحدياً من نوع آخر؛ تحدياً لا يحمل سيفاً ولا راية، لكنه يتقدم بصمت عبر الرمال وشحّ المياه وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأمطار.

تشير المعطيات إلى أنّ التصحر في محافظة كربلاء أصبح تحدياً بيئياً خطيراً يهدد الأراضي الزراعية، بفعل شحّ المياه والتغير المناخي وقلة الأمطار، الأمر الذي دفع الجهات الحكومية والعتبات المقدسة إلى التحرك لمواجهة زحف الرمال.

بدأت كربلاء ترسم ملامح تجربة جديدة، لا تقوم على انتظار الطبيعة لتستعيد عافيتها، وإنما على استثمار الأرض والمياه والتقنيات الزراعية لصناعة بيئة قادرة على مقاومة التصحر، وفي مقدمة هذه المشاريع يأتي مشروع الحزام الأخضر الجديد الذي تنفذه العتبة العباسية المقدسة في مزرعة العوالي.

ويمثل المشروع تجربة لتحويل مساحات واسعة من الأراضي الصحراوية إلى أراضٍ مُنتِجة، ويقع على الطريق الرابط بين محافظة كربلاء المقدسة وقضاء عين التمر، على مساحة تصل إلى 50,000 دونم من الأراضي الصحراوية التي جرت تهيئتها للزراعة بعد سلسلة من الأعمال الهندسية والتقنية.

ويضمّ المشروع 11 بئرًا ارتوازيا، جرى ربطها بشبكات ريّ حديثة تعتمد على نظام الري بالتقطير، بما يسهم في تقليل هدر المياه وضمان وصولها إلى جذور النباتات بكفاءة عالية.

وفي جانب الطاقة، جرى تجهيز كلّ بئرٍ بمنظومة طاقة شمسية تحتوي على 112 خلية شمسية، بما يضمن استمرارية تشغيل المضخات من دون الاعتماد على الشبكة الكهربائية الوطنية.

ويضمّ المشروع محاصيل حقلية واستراتيجية متعددة، منها الحنطة والشعير بوصفهما من المحاصيل الرئيسة للحبوب، فضلًا عن البطاطا وأشجار النخيل.

إذ تمت زراعة حوالي 1200 نخلة من أصناف عراقية جيدة، إلى جانب إنشاء حزام أخضر من أشجار الكالبتوس والدفلة لحماية المزروعات من العواصف الرملية.

ويهدف مشروع العوالي إلى استصلاح الأراضي الصحراوية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من بعض المحاصيل الاستراتيجية، وتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد الزراعي، فضلًا عن مكافحة التصحر والحفاظ على البيئة عن طريق إنشاء الأحزمة الخضراء، وتوفير فرص عمل دائمة وموسمية للأهالي.

desc-e4de87a3945b5bb5.jpeg

عامان من التخطيط

المشروع لا يكتفي بزراعة مساحات متفرقة، بل يرسم خطاً أخضر يمتد لمسافة90   كيلومتراً، ويضمّ زراعة مليون شجرة.

ولا تتوقف تفاصيل المشروع عند عدد الأشجار وطول الحزام، فالحزام يبلغ عرضه نحو140 متراً، يتخلله شارع بعرض20 متراً، ليصبح العرض الصافي للحزام الأخضر120 متراً.

كما أن المشروع لم يبدأ من لحظة غرس الأشجار، بل سبقه إعداد خطة استمرت عامين، جرَت فيها الاستعانة بمشاتل العتبة العباسية المقدسة لإنتاج الأشجار اللازمة للمشروع، ومنها السدر والكالبتوز وغيرها، وجميع الأشجار التي زُرِعت وستزرع مستقبلاً في الحزام هي من إنتاج مشاتل العتبة المقدسة.

في السياق ذاته دخلت التكنولوجيا النظيفة على خط المواجهة مع التصحر، إذ تتولّى شركة الكفيل للاستثمارات العامة تنصيب المنظومات الشمسية لتشغيل منظومات السقي والطاقة، بالاعتماد على الطاقة النظيفة بدلاً من المولدات أو الكهرباء الوطنية.

يقول رئيس قسم الحزام الأخضر الجنوبي الثاني المهندس ذياب أحمد الشريفي، إن "اختيار الأشجار لم يكن عشوائياً؛ إذ جرى اعتماد أنواع ملائمة للظروف البيئية القاسية، من بينها السدر الحشري العراقي، واليوكاليبتوس، والألبيزيا، لما تتميز به من قدرة على تحمل الظروف المناخية والمساهمة في تعزيز الغطاء النباتي.

واللافت في المشروع أنّ الأشجار التي تُستخدَم ليست مستوردة من الخارج، بل تنتجها مشاتل العتبة العباسية المقدسة، وهو ما يجعل المشروع يبدأ من البذرة والمشتل وينتهي عند الحزام الأخضر الذي يحاصر الصحراء.

متابعة دولية

هذه التجربة دفعت وفودًا دولية متخصصة إلى زيارة المشروع والاطّلاع على تفاصيله.

فقد أشاد وفدُ بِعثة الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) بمشروع الحزام الأخضر الجديد في محافظة كربلاء.

وأعرب رئيس قسم التعاون في بعثة الاتحاد الأوروبي لدى العراق السيد فيليم ريبما، عن إعجابه بما تقوم به ملاكات العتبة العباسية المقدسة، معتبراً "المشروع بادرة أمل للمستقبل وبدايةً لبناء حزام أخضر كبير حول المدينة، سيكون له أثر مهم في حماية كربلاء من آثار التغير المناخي".

معلقا، "زيارة المشروع تأتي ضمن التعاون لزراعة الأشجار في صحراء كربلاء".

مضيفا، "الاتحاد الأوروبي يعمل في العراق منذ عشرين عاماً وفي مناطق مختلفة بالتعاون مع الجهات العراقية، وإنّ زراعة الأشجار، ولا سيما أشجار النخيل، تُعدّ من أولويات عمله في هذا المجال".