image alt

العتبة العباسية تبدع في عالم الأطفال والرسوم المتحركة

العتبة العباسية تبدع في عالم الأطفال والرسوم المتحركة


في بلد يزخر بالكثير الكثير من القصص والروايات المتوارثة كالعراق، اختار "زيد" أن يتخذّ من الرسوم المتحركة، وسيلة لإعادة إحياء الهوية الثقافية المحلية، واضعًا بَصمَته في مجال يشهد نموّا متسارعا عالميا، لكنّه ما زال يواجه تحديات جمة في عالمنا العربي.

فبين الرسوم الملونة، والقصص الحافلة بالمغامرات، والكلمات المختارة بعناية فائقة، يقضي زيد عبد الجليل سوادي، ذو الستين عاما، يومه بتحريك الخطوط الساكنة ليمنحها حياة وصوتا وحكاية.

رحلة زيد بدأت من الطفولة، عندما كانت دفاتر المدرسة تضيق برسوماته الكرتونية المستوحاة من شخصيات كرتونية عديدة منها، ميكي ماوي/ والت دزني/ وتان تان - هرجية "الرسام"/ استريكس- ارسام اودرزو/لاكي لوكجوسيني.

يقول سوداي، إنّ "مهنة رسم الشخصيات تتطلّب خبرة تراكمية طويلة الأمد، وهي تنبع من تجارب الرسام السابقة، ومدى اطلاعه على تجارب الفنانين الآخرين، وبالنهاية تمتزج هذه التراكمات الصورية في نفسه وعقله، لينتج شيئا جديدا، هو نتاج كل ما شاهده وفكّر به في حياته السابقة".

مشيرا، "مسألة اختيار الألوان تعتمد على طبيعة القصة نفسها، فلكلّ لون دلالة وهو يعبّر عن حالة معينة.. فمثلا اللون الأسود هو رمز الحزن والوقار والظلمة والنظرة الخاصة، أمّا اللون الأخضر فهو لون ولادة ونمو الأشياء الحية، أمّا اللون الأبيض فهو لون النقاء الصفاء والشفاء وهكذا".

ويضيف، "أمّا مسألة المشاعر وكيفية التعبير عنها، فهذه تختلف من رسام إلى آخر، ولا سيما ونحن نستحضر أشياءً ثابتة وأشياءً متغيرة في التعبير، وعلى العموم تنعكس مشاعر وطرق التعبير للرسام نفسه على الشخصية المرسومة بقصدٍ أو من دون قصد، فهي مسألة عفوية لا إرادية لكلّ رسام".

ويرى سوادي "الألوان هي لغة بحدّ ذاتها، يستطيع الرسام أن يستخدمها للتعبير عن الحالات النفسية للشخصية المرسومة والجو العام للقصة من حزن أو فرح وغيره من المشاعر الإنسانية المختلفة".

والرسام زيد عبد الجليل سوادي رسام رسوم متحركة، ومن مؤسّسي مجلة الرياحين الصادرة عن شعبة الطفولة والناشئة التابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة عام 2009، وحدة الرسم "في بداية التأسيس".

وهي مؤسسة رائدة تهدف إلى إعداد جيل واعٍ ومثقف على وفق أطر دينية وأخلاقية إسلامية أصيلة، ولديه العديد من الاسهامات المهمة مع مركز الجود للرسوم المتحركة التابع لقسم الإعلام لإنجاز أفلام إنيميشن ثنائية الأبعاد.


desc-c0205305427f08e1.jpeg

وقد حاز فلم "عش العنكبوت" الذي اشترك في إنجازه الرسام زيد عبد الجليل سوادي بجائزة مهرجان كركوك لأفلام الإنيميشن المرتبة الأولى، وكذلك مهرجان بابل بجائزة التنويه للأفلام القصيرة.

ويستدرك سوادي، "يتميّز كلّ رسام عن الآخر من الرسامين بتفرّده بطريقة "الإخراج الصوري" للقصة، فلا يتشابه الرسامون مع بعضهم بكيفية الرسم والتعبير أبدًا، مثلما لا تتشابه بصمة إبهام كلّ واحد منهم عن الآخر.. فهو مخرج بالفطرة وبالفعل للقصة التي يرسمها".

لافتا، "يمكن رسم طفل خائف داخل غرفة مظلمة باستخدام تعابير الجسد والوجه للطفل، وإضافة اللون "الأسود" للغرفة فتكون مظلمة، أما اسم الطفل فلا اعتقد أنّنا نستطيع أن نعبّر عنه بل يجب أن يكتب.

ويختم سوادي، "عالم الرسوم للأطفال والقصة المصورة، هو ليس شيء بسيط وسهل او ترفيهي، بل مسئولية كبيرة تجعل بين طياتها جانب تربوي خطير وكبير".

عالم الطفولة


هذا ما أكّده مدير تحرير مجلة حيدرة ومسؤول وحدة الفتيان في شعبة الطفولة والناشئة أحمد علي محمد عباس الخالدي، قائلًا، "الكتابة للأطفال والمراهقين من الفنون الصعبة والصعبة جدا، بسبب كون هذه الفئة لا تمتلك قاموسا لغويا واسعا، تبعا لصغر سنهم وعدم امتلاكهم لغة رصينة، تمكنهم من فهم كل ما يكتب".

ويضيف، "لذا آليت على نفسي أن ألقي بالكثير من المصطلحات والمفردات التي قد تكون صعبة على فهم الفئة المستهدفة، واكتفي باللغة الأسهل والأكثر فهمًا عندهم".


desc-05b5f1eaabf4619e.jpeg

موضحًا،" وقد يكون في ذلك صعوبة على الكاتب كونه لن يستخدم كل ما يعرفه من مفردات وهي رأس المال الذي يعالج فيه الفكرة ليوصلها للمتلقي وهذا هو ما يبعد الصحفيين عن اقتحام هذه المنطقة الصعبة".

مستدركا، "فتقمص دور الطفل والحديث معه أصعب بمراحل من الحديث مع الكبار، لأنّ الطفل لا يجذبه ما يجذب الكبار، وهنا تظهر الصعوبة في اختيار المواضيع وعرضها للطفل واختيار الشكل الذي سوف تطرح به الفكرة، فمرة تطرح الفكرة في سياق قصة، ومرة على شكل معلومات قصيرة مرتبة بطريقة معينة، ولا ننسى دور الرسوم والتصاميم والألوان فكل ذلك يشكل عناصر جذب للطفل".

رؤية وأهداف التأسيس


من جانبه يؤكد مصطفى عادل الحداد، إلى، أنَّ "عمل الشعبة تمركز على إصدار مجلتي (الرياحين للأطفال- حيدرة للفتيان)، وكذلك إصدار كتيبات قصصية تستهدف فئة الأطفال والفتيان ذات طابع أخلاقي، تربوي، ديني، فضلًا عن إنتاج العديد من المقاطع المرئية القصصية منها والإرشادية التي تسهم في تنمية الأطفال والفتيان فكرياً وثقافياً وعلمياً".

مصطفى عادل الحداد، هو مدير تحرير مجلة الرياحين للأطفال، ومعاون مدير شعبة الطفولة والناشئة، وهي إحدى التشكيلات البارزة التابعة لـ قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة في كربلاء.

ويضيف الحداد، "تضم الشعبة مجموعة من الملاكات التربوية والفنية المتخصصة في مجال الطفولة والبالغ عددهم (13) شخصاً ما بين كاتباً ورساماً ومصمماً طباعياً".

ويسترسل الحداد، "تهدف جميع إصداراتنا إلى تقديم محتوى تعليمي يشجع الأطفال على الاستكشاف والتعلم المستمر، فضلًا عن غرس القيم الإيجابية مثل التعاون، والصدق، والإبداع، والاحترام، وكذلك خلق التنوع الثقافي وفتح آفاق للخيال والإبداع عن طريق قصص محفزة ورسوم مبتكرة".

موضّحًا، "الرؤية الفكرية والتربوية التي انطلقت منها العتبة العباسية لتأسيس شعبة خاصة بالطفولة والناشئة في العام 2009، جاءت من الإيمان بأهمية بناء الإنسان منذ المراحل الأولى من عمره، وأن الطفل هو أساس المجتمع وصانع مستقبله".desc-89e34ada969513c6.jpeg

الهوية الثقافية والدينية


بدوره يوضح محمد الحسناوي، معاون المشرف العام على قسم رعاية الطفولة في العتبة الحسينية المقدسة، ماجستير ثقافة أطفال الغاية الأساسية من هذا التحول.

ويقول، "هي عملية تحديث لأدوات التوصيل، تفرضها طبيعة العصر، فالمنبر والكتب والسردية الطويلة تخاطب المتلقي الواعي ذا التركيز العالي، وهو ما يفتقده طفل اليوم المستغرِق في ثقافة الصورة السريعة".

مبينا، "عندها أدركت العتبات الدينية أنّ ترك الساحة الأدبية الخاصة بعقل الطفل فارغة يعني تنازلاً ضمنياً عن عقل الطفل لصالح منتجات عالمية قد لا تتوافق مع بيئته؛ لذا جاءت القصة المصورة (الكوميكس) كجسر بصري يمزج بين أصالة المحتوى وعصرية الأداة".

موضحا، "التوازن يتحقق عبر توظيف "الحكايات والتشويق" كعامل أساسيّ لإيصال المفهوم العقائدي، وليس العكس، وهنا لا يُقدَّم الحُكم الشرعي أو الخُلُق الإسلامي كأمر جاف".

ويكمل، "بل يوضع في سياق مغامرة يومية، أو لغز يحتاج إلى حل، أو رحلة استكشافية يخوضها أبطال القصة، وهنا، يستفيد الطفل من "التسلية والترفيه" كأسلوب للحكاية، بينما يمتص القيم الرصينة كروح لها دون إقحام مباشر".

مستدركا، "تواجه الهوية الثقافية والدينية للطفل اليوم ما يمكن وصفه بـ "الانفتاح غير الموجه" عبر الخوارزميات العابرة للدول والتي تسهم في صناعة "مصدات ثقافية ونفسية" للطفل عن طريق إبراز عناصر الهوية المحلية والإسلامية كعناصر قوة وفخر".

ويضيف، "على صعيد أفلام الرسوم المتحركة هناك قفزة واضحة في هذا الصدد؛ حيث تمّ تحويل العديد من القصص التاريخية والسِيَر إلى أفلام سينمائية قصيرة وطويلة، ومسلسلات كرتونية تُبثّ عبر قنوات فضائية متخصصة للأطفال تابعة للعتبات، أو عبر منصات اليوتيوب لتصل إلى الملايين، مستخدمين تقنيات تحريك حديثة تضاهي المنتوج التجاري الإقليمي".

نجحت المجلات التابعة للعتبات المقدسة في خلق شخصيات كرتونية دورية (أبطال ثابتين في المجلات) تعيش تفاصيل حياة الطفل العراقي والعربي المعاصر مما جعلها قريبة من قلوبهم، ونموذجًا يُحتذى به في السلوك اليومي.