image alt

مؤذن العتبتين المقدستين... صوت تختصر فيه كربلاء تاريخها الشجي

مؤذن العتبتين المقدستين... صوت تختصر فيه كربلاء تاريخها الشجي

لطالما تميز بحنجرة مميزة، كان وقع صوتها يقرع مسامع الزائرين وأهالي المدينة بنبرة رخيمة نادرة التكرار، تلقي في نفوس من يتلقاها شعور بالسكينة والاطمئنان وهي تردد عبارات الأذان.

بمدينة كربلاء المقدسة حيث يمتزج صدى المآذن وضياء الشموع مع زحام الزائرين، تتشكل لوحة إنسانية متعطرة بعبق رائحة الحرمين الشريفين، كان صوت المقرئ الحاج مصطفى الصراف علامة مميزة باتت أقرب الى شعار يخلد في العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية.

وكما يبدو ان هذه المدينة الإسلامية أبت الا ان تكون متميزة عن سواها من المدن التاريخية في كل شيء منذ نشأتها، مرورا بشهدائها عليهم السلام وشعائرها الحسينية الخالدة، وأخيرا وليس آخرا بصوت مؤذنها الصراف الذي ارتبط بشكل وثيق مع صلاة الفجر، وخاصة في ليالي شهر رمضان المبارك.

يقول الحاج محمد فرهود أحد منتسبي العتبتين المقدستين، ان "الحاج الصراف لديه جدول يومي صارم يفرضه هذا الشرف الروحي، فالالتزام بالوقت دقيق جدا، "قبل الاذان بساعة التواجد في الروضة الحسينية، الاستعداد الروحي، ومراجعة الصوت والتهيئة".

ويضيف، "بعد الصلاة الجلوس بين الزائرين، الاستماع لدعواتهم، ونقل التراث والخبرة للجيل الجديد من المؤذنين الشباب".

فيما يرى الشيخ صادق السوداني امام جامع الامام السجاد عليه السلام في سوق النجارين في المدينة القديمة، ان "الصفار يتفرد بالأذان الذي يرفعه كونه ذو طابع كربلائي خالص".

لافتا، "هو لا يؤدي الاذان مجرد أداء لفظي بل يسكب فيه من اطوار النغم العراقي ما يجعل المستمع يشعر برهبة اللحظة وروحانيتها".

موضحاً، "يرتكز اداؤه على مقامي الحجاز والصبا، وهما المقامان الاقدر على تجسيد مشاعر الحزن النبيل والخشوع العميق الذي تحمله هذه الأرض".

ويشير الشيخ الى، ان "اذان الصراف يملك ميزة غريبة، حينما يقول اشهد ان عليا ولي الله".

موضحا، "تشعر وان الزمن قد توقف في الساحة التي تتوسط الحرمين، فلا تدب الحركة الا بعد ان ينتهي من اذانه".

مختتما، "لقد استطاع الصراف ان يحافظ على هوية الاذان الكربلائي القديم، محافظا على الاداء اللحني المتوارث دون اقراط او تفريط".


سيرة من العطاء

والحاج مصطفى محمد حسين الصـرّاف من مواليد عام 1950م محلة الصفّارين (باب النجف سابقاً)، احدى المحال السكنية التاريخية في مدينة كربلاء المقدسة التي نشأ فيها وترعرع.

بدأ توجهه القرآني منذ سنّ مبكرة، وحضـر أول محفل قرآني في دار الأستاذ محمد حسين الكاتب في منطقة باب الخان سنة 1965م، فتعلَّم القراءة الصحيحة وبدايات علم التجويد، ودروس مبسَّطة في علم تفسير القرآن الكريم، وكان المحفلُ يقام في ليالي شهر رمضان المبارك. بحسب ما اورده محمد رضا الصراف عن والده.

desc-bede69fc7864b670.jpeg

ويضيف، "بعدها انتقل إلى محفل ملا حمّود الحميري التعليمي سنة 1970م، اذ كان المحفل يعقد في سوق البزّازين (مقبرة المُجاهِد) لينتقل المحفل بعدها إلى الصحن الحسيني الشـريف (مقبرة شهَيْب) سنة 1974م".

ويتابع، "كما حضـر أيضاً في المحفل القرآني التعليمي الذي كان يقيمه الأستاذ حسن سيف في الحسينيّة الطهرانية.

ويشير محمد رضا الى، ان "الصراف كان كثير الاستماع إلى القارئ عبد الباسط عبد الصمد والقارئ محمد صدّيق المنشاوي، فكان يقرأ على طريقتهما أمام الجمهور في الكثير من المحافل القرآنية وفي افتتاح المجالس الحسينيّة".


الارتقاء الى الأذان

ويسرد السيد محمد رضا ان الحاج مصطفى الصراف كيف وفق والده في الارتقاء وصولا الى رفع أذان الصلاة في العتبات المقدسة، قائلا، "عُرِفَ والدي بين الأوساط الكربلائية فتشـرَّف باعتلاء مئذنة أبي الفضل العبّاس عليه السلام للمرة الأولى سنة 1972م، ولكفاءته اختير بديلاً للمؤذن سيد أمين الكعكچي".

معلقاً، "وعندما توفيَّ مؤذن العتبة الحسينيّة المقدّسة الحاج جواد المؤذن اختير الحاج مصطفى الصـرّاف قارئاً ومؤذناً للعتبة الحسينية المقدسة سنة 1974م. بطلب من كليدار الحضرة السيد صالح الكليدار".

ويتابع، "استمر بحضور المحفل القرآني عند الأستاذ حمّود النجّار مدّة من الزمن إلى أن أجازه بالقراءة برواية حفص عن عاصم عام 1975م وكذلك أجازه بفتح المحافل القرآنية التعليمية".


سليل عائلة الصوت والخدمة


بدوره يشير الشيخ كاظم ساهي أحد طلبة العلوم الدينية الى ان خيار اعتلاء المئذنة لدى مصطفى الصراف لم يكن وليد المصادفة، بل هو امتداد لبيئة كربلائية عريقة نذرت أبنائها لخدمة العتبتين المقدستين.

ويقول، "نشا الصراف في اسرة شربت حب الخدمة الحسينية كابرا عن كابر، فوالده وعمومته كانوا قد تركوا بصماتهم في الخدمة والانشاد والاذان".

مبيناً، "منذ نعومة اظفاره كان مصطفى يرافق والده الى الحرم الشريف، يرقب بنظرات ملؤها الشغف والمحبة كبار المؤذنين وهم يرتقون المنبر او يقفون اما الميكروفون ليطلقوا نداء الله أكبر".

الى لك يبين فضيلة الشيخ عبد الحميد الصافي نائب معاون مدير المكتبة العباسية، ان طريق الخدمة لم يكن مفروشة بالورد، فقد شهد مصطفى الصراف محطات عصيبة من تاريخ العراق الحديث، وتحديدا خلال عقود التضييق على الشعائر الحسينية والخدمة الحسينية.

مبيناً، "هذا الامر اخضع العتبات المقدسة للتضييق الامني الشديد، وكان الاذان والطقوس الحسينية تحت المراقبة الصارمة".

مكملا، "في سنة 1980م تعرض الحاج مصطفى للكثير من المضايقات والاعتقال من قبل أزلام النّظام البائد إلى أن تم ترحيله قسـراً إلى إيران".

مستدركا، "رغم ذلك، كان يصر الحاج الصراف على إبقاء نبرة الاذان العراقي، مفعمة بالثبات والرجاء، متمسكا بواجبه الروحي حتى في اشد الظروف الأمنية".

ويضيف، "كانت المئذنة بالنسبة له خط الدفاع الأخير عن هوية المدينة والروحية، وبقى صوته يتردد في سماء كربلاء شاهدا على حقبة صعبة انجلت لتبقى أصول الخدمة ثابتة".


ارث يتوارثه الأجيال


ولم يكتفي مصطفى الصراف برفع الاذان فحسب، بل حرص على تدريب العشرات من المنشدين والمؤذنين الشباب، ليعلمهم مخارج الحروف، والتحكم بالأنفاس، وكيفية توظيف المقامات العربية والعراقية بما يتناسب مع جلالة النص القرآنية والنداءات الإلهية".

وعلى الرغم من تم اعتقال الصراف وترحيله لخارج العراق، أسس في المهجر المحافل والمسابقات القرآنية خلال 22 عام، نتج عنها العديد من القراء من محافظات البصرة العمارة.