image alt

باب القبلة... خواطر وأمنيات

باب القبلة... خواطر وأمنيات


تقف بصمت مهيب، كأنها حدٌّ فاصل بين عالَمين، عالمٌ تضج فيه الخطى، وآخرٌ تهدأ فيه القلوب من بعيد، لا تبدو تفاصيلها واضحة، غير أنّها تفرض حضورها بهيبةٍ خفية، تشبه هيبة صاحب المرقد

تتجه نحوها الجموع بانسياب لا ينقطع، وجوه مُتعَبَة وأخرى مُمتَلِئة بالشوق، وكلّها تحمل حكايات مؤجلة عند عتبتها، خطوات تتسارع كلّما اقتربت وكأن الباب لا يُفتح للعبور فقط، بل لشيء أعمق.

هنا عند باب القبلة للعتبة العباسية المقدسة لا يُقاس الوصول بالمسافة، بل بما يتركه العابرون من ثقلٍ خلفهم وما يحملونه من أملٍ وهم يعبرون.


يصف الحاج الستيني أبو علي، أحد الزائرين الوافدين من جنوب العراق، علاقته الخاصة مع باب القبلة مؤكدا أن "هذا المكان لا يُملّ، وبالنسبة له فهو ليس مجرد مدخل، بل محطة روحية يختصر عندها الكثير من مشاعره".

ويقول، "عند كلّ زيارة إلى مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، ابدأ من باب القبلة واتوقف لحظات قبل العبور مسترجعاً موقفاً مررت به عندما كنت قلقاً على صحة أحد أبنائي، تلك اللحظات أعدّها نقطة تحوّل في داخلي بعد أن أعقبها انفراج في حالته".

ويضيف، "مروره من هذا المكان بات طقساً لا يمكنه تجاوزه لما يحمله من دلالات شخصية عميقة ارتبطت لديه بالأمل والاستجابة".


ويقع هذا المرقد المهيب وسط كربلاء المقدسة، تلك المدينة التي تستقبل سنويا ملايين الزائرين من داخل العراق وخارجه؛ لما لها من أهمية كبيرة في نفوس المسلمين، وخصوصا أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

فيما تبلغ مساحته مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام نحو 13،000 متر مربع تقريباً، وتشمل الصحن الشريف والأروقة المحيطة به.

ولباب القبلة دلالة رمزية عميقة؛ لأنّه يتجه نحو القبلة المشرفة، ما يجعلها بوابة روحية يستشعر عندها الزائر حالة من الخشوع والسكينة، فضلاً عن أنّه يمثل مدخلاً معنويا للولوج إلى قدسية المرقد الشريف، ويجسد في الوقت ذاته رمزية الإمام العباس عليه السلام، بوصفه باباً لقضاء الحوائج ومقصداً للزائرين من جميع انحاء العالم.


ويقع باب قبلة مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، في الجهة الجنوبية من الحرم الشريف، وتعد من أبرز المداخل الرئيسة التي يقصدها الزائرون، إذ تطل مباشرةً على ساحة باب القبلة الحيوية.

وباب القبلة لم يكن مشروعا بقدر ما كان جزءًا من التكوين العام للصحن الشريف.

والبدايات الأولى لتشييد المرقد تعود إلى سنة (61) للهجرة، حيث كان المرقد الشريف مُعلَّماً بعلامة بسيطة، قبل أن تبدأ عمليات الإعمار الفعلية في العصر العباسي، وتحديداً في أواخر القرن الرابع الهجري في فترة عضد الدولة البويهي.


ومع توسع الصحن عبر القرون تشكلت منظومة أبوابه التي أصبحت اليوم مداخل رئيسة تستقبل الزائرين من مختلف الجهات، ويبلغ عددها عشرة أبواب.

من أبرزها باب القبلة، وباب علي بن أبي طالب عليه السلام، وباب الإمام الحسن عليه السلام، وباب الإمام الحسين عليه السلام، وباب الإمام موسى الكاظم عليه السلام، وباب الإمام محمد الجواد عليه السلام، وباب الإمام الهادي عليه السلام، وباب صاحب الزمان عجّل فرجه، وباب الفرات.


ونفذت الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة أعمال صيانة للباب، تضمنت مراحل دقيقة شملت تفكيكه بشكل كامل وفحص أجزائه المعدنية والزخرفية، وإعادة تذهيبه قبل إعادة تركيبه على يد ملاكات فنية عراقية متخصصة، إلى جانب تغليف المدخل المحيط بالكاشي الكربلائي المعرق وإضافة المقرصنات والزخارف الإسلامية.

يبيّن ناظم الغرابي، مسؤول قسم الأبواب والشبابيك التابع الى العتبة العباسية المقدسة، أنّ "باب قبلة الإمام العباس عليه السلام، من أبرز الأبواب الرئيسة للحرم الشريف؛ لما يحمله من قيمة تاريخية ومعمارية وروحية كبيرة لدى الزائرين".

ويضيف، "الباب مَرّ بمراحل عِدّة من التعمير والتطوير، إذ كان جزءاً من البناء التقليدي القديم للحرم قبل أن يشهد تحولاً كبيراً ضمن مشاريع التوسعة الحديثة بعد عام 2003".

موضحا، "جرى تحديث وصيانة للأجزاء التالفة بتاريخ 27/7/2023 وانتهى 1/12/2025 دمج هيكله التراثي مع تصاميم هندسية حديثة للحفاظ على الهوية المعمارية الأصيلة".

ويكمل، "الباب يتميز بخصائص وأبعاد فنية دقيقة، إذ يبلغ ارتفاعه 369 سم وعرضه 300 سم، فيما يصل سمكه إلى 11 سم، إلى جانب الإطار المحيط بالباب، فيُعد لوحة فنية بأبعاد تبلغ 450 سم طولاً، و325 سم عرضاً".


وفيما يتعلق بمواد التصنيع، يقول الغرابي، إنّ "الباب صُنع من أخشاب صلبه عالية الجودة اختِيرت بعناية لتتحمل العوامل الجوية وتناسب أعمال النقش والتذهيب".

وتابع، "ثم جرى تغليفها بصفائح معدنية مزخرفة".

ويضيف، "أمّا نوع الخشب المستخدم، فيسمى خشب الصاج البورمي في أعمال الصيانة وتركيب الدعامات لما يتمتع به من صلابة ومقاومة عالية للعوامل المختلفة".

من جهته يوضح سمير حسن لطفي مسؤول شعبة النجارة، "لم يكن العمل في صيانة باب القبلة مهمة اعتيادية بالنسبة لي، بل كان تكليفاً أحمله بكثير من الفخر والامتنان وأعدّه فضلاً من الله أن أكون جزءاً من هذا الجهد الذي امتد لأكثر من سنة ونصف".


وبحسب لطفي فقد واجهت هذه المهمة من الناحية الفنية، مجموعة من التحديات؛ نتيجة عمر الباب القديم الطويل، فيقول، "تأثرت مفاصل الباب بشكل واضح بسبب التصدأ ما أدى الى صعوبة في حركة الباب وعدم انسيابيتها، وهو ما انعكس سلبا على الإطار والزجاج".

ويضيف، "هذه الأضرار استدعت تدخلاً شاملا، فكان القرار بتفكيك الباب بالكامل لمعالجة الخلل من جذوره".

وجرت عملية إزالة الهيكل الخشبي والأجزاء المتضررة وتعويضها بخشب مماثل، مع تعزيز الدعامات باستخدام خشب الصاج البورمي، بالإضافة إلى معالجة حالات الاعوجاج وإعادة توازن الباب.

 أمّا الطلاء الذهبي، فقد خضع إلى عمليات إدامة وطلاء بأكثر من كيلوين من الذهب؛ للحفاظ على جمالها وبريقها.