image alt

العتبة العباسية تحتفي بـ "حارس الذاكرة"

العتبة العباسية تحتفي بـ "حارس الذاكرة"


في حديث يفيض بالفخر والاعتزاز، يستعرض السيد جعفر الإشكوري محطات من حياة والده، مشيراً إلى أنّ الحكاية بدأت من زقاق النجف الأشرف عام 1350 هجرية.

هناك، وفي بيئة مُفعمة بالعلم، تلقّى السيد الإشكوري أوليات القراءة من "الملايات" وهو في التاسعة، قبل أن ينتقل إلى أروقة الحوزة العلمية ليتتلمذ على يد كبار علمائها، وصولاً إلى تخصص دقيق جعل منه مرجعاً في علم "الفهرسة وتحقيق التراث".

وكتب السيد أحمد الحسيني الإشكوري موسوعة "مؤلفات الإمامية" المكونة من 23 مجلداً، والتي تُعدّ نقطة تحول جوهرية للمؤرخين والمهتمين بـ "علم الرجال" (الجرح والتعديل)؛ وهو العلم الذي يعنى بتمحيص أحوال الرواة لضمان سلامة الآثار المروية.

فيقول السيد جعفر، إنّ هذه "الموسوعة ليست مجرد "قائمة كتب، بل هي قاعدة بيانات شاملة ترصد حياة العلماء وسِيَرهم العلمية ونتاجهم الفكري" إلى جانب عدّها محاولة جادة لحفظ الهوية الفكرية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام".

مبينا، "وثَّقتِ الموسوعة حتى الآن 14 ألف كتاب، والعمل لا يزال جارياً لإضافة مجلدات وملاحق جديدة مستقبلاً".


أرقام من مسيرة "حارس التراث"


لم يكن الوصول إلى هذا المنجز وليد الصدفة، بل جاء ثمرة رحلة شاقة عبر القارات والمكتبات، إذ كشف السيد جعفر عن أرقام تعكس حجم الجهد المبذول.

فيقول، "عدد المكتبات التي زارها السيد الإشكوري حول العالم للبحث والتنقيب بلغ 108 مكتبة".

ويضيف، "فيما بلغ عدد مؤلفات الوالد 58 مؤلفاً مطبوعاً خاصا بالتحقيق والتأليف المتخصص، إلى جانب 30 مؤلفاً قيد الطبع".


ويعلّق السيد جعفر الإشكوري، إن "قصة الوالد هي قصة حارس الذاكرة الذي لم يكتفِ بالقراءة، بل نذر حياته لانتشال الكنوز الفكرية من غياهب الإهمال".

بدوره، يشير الباحث فاهم عزيز الميالي إلى، أنّ "تراجم العلماء أو "مؤلف الإمامية هي من أبرز أعمال السيد الإشكوري التي وثّقت سِيَر العلماء، إذ امتاز بالدقّة والابتعاد عن الإنشاد العاطفي، مُرَكِّزا على الحقائق التاريخية والآثار العلمية".

فيقول، "إلى جانب ذلك إن إحياء مركز التراث الإسلامي في مدينة قم، الذي أسّسه السيد الإشكوري ليكون خلية نحل تعمل على ترميم، وتصوير، وفهرسة المخطوطات، هو نتاج عظيم في عالم توثيق المخطوطات والتراث الإسلامي".

 موضحا، "يمتلك السيد الإشكوري قدرة فائقة على تمييز الورق ونوع الحبر وهوية الكاتب بمجرد النظر، وهذه الخبرة لم تأتِ من فراغ، بل من مراجعة وتصنيف أكثر من مئة ألف مخطوطة في أثناء مسيرته المهنية".

معلّقا، "ما يميّز السيد الإشكوري هو الزهد في الظهور، مقابل الغرق في العمل".

ويكمل الميالي، "السيد الإشكوري ليس مجرد مؤلِّف، بل هو مؤسسة توثيقية تمشي على الأرض، استطاع عبر مؤلفاته عن الإمامية أن يحول التراث المنثور في رفوف المكتبات المنسية إلى مادة علمية متاحة للباحثين محققا بذلك الأمن الفكري للتراث الإسلامي".


من جانبه يذكر المحقق مراد الجوادي، ما ورد على لسان السيد الإشكوري، "لم أنفصل عن القراءة إلّا للصلاة والأكل بأقلّ ما يمكن من الوقت".

مشيرا، "على الرغم من وضعه الصحي وكِبر سِنّه، إلّا إنّه يعمل لفترات عمل معينة، ولكن في بعض الأحيان يضطر للعمل إلى الصباح، عندما يكون هذا العمل مهما جدا، وأحيانًا ينسجم مع الكتاب وينسى الوقت".

ويضيف، "العلّامة والمحقق الكبير السيد أحمد الإشكوري، هذا الشيخ الكبير العظيم، ذو الإنتاج الوفير للفكر الشيعي ومكتبته.. ذو 96عاما.. قضى منها 60 عاما في التأليف والتحقيق التاريخي للكتب والموسوعات والمؤلفات والمخطوطات.. الذي كان نتاج عمله (180) كتابا بين تأليف وتحقيق وفهرسة".

ويتابع الجوادي، "موسوعته الجديدة (مؤلفات الإمامية)، تضم 14 ألف مؤلف، قرأها جميعها، ثم كتب عنها فكانت النتيجة هذه الموسوعة الجديدة، وهذا عمل واحد فقط من أعماله المباركة في عمره ووقته المبارك".


الرعاية المعرفية


وتحت شعار "عينان نضّاختان"، نظّمت شعبة الرعاية المعرفية في العتبة العباسية المقدسة احتفالية كبرى للاحتفاء بموسوعة "مؤلفات الإمامية"، هذا المُنجز الموسوعي الضخم الذي سطّره العلّامة المحقق السيد أحمد الحسيني الإشكوري.

ولم تكن الفعالية مجرد عرضٍ لكتب مرصوفة، بل كانت تكريماً لمسيرة رجل أنقذ آلاف المخطوطات من الضياع.

ويأتي احتفاء العتبة العباسية المقدسة بهذا المنجز ضمن سياق اهتمامها بإحياء التراث الإسلامي وتكريم العلماء الذين أفنوا أعمارهم في خدمة العلم والمعرفة.

فيبيّن الشيخ محمد الظالمي، مسؤول شعبة الرعاية المعرفية التابعة لقسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية في العتبة العباسية المقدسة، أنّ "عمل الشعبة يهدف في المقام الأول إلى إحياء التراث الإسلامي الأصيل، وتحقيق المخطوطات النادرة".

ويضيف، "كما تنشط الشعبة بتنظيم دورات تخصصية في التحقيق، الفهرسة، والتنضيد".

مبينا، "تعمل الشعبة على توثيق ونشر التراث، وتنظيم الندوات العلمية، وإصدار المؤلفات البحثية، وتحقيق كتب المخطوطة النادرة، مثل كتاب "ينابيع الأصول" و"عيون الوصول إلى علم الأصول".

ويتابع الظالمي، "إلى جانب ذلك تمّ تنظيم دورات تخصصية في تحقيق المخطوطات والتدقيق فيها، ولا سيما لطلبة الحوزة العلمية، وبمقتضى ذلك الأمر أصدرنا العديد من الكتب، منها (شرح أحكام الصوم والاعتكاف) للشيخ محسن بن شريف الجواهري".