في قلب الصحراء لمحافظة كربلاء، حيث كانت الرمال الجافة تمتد على مساحات واسعة لا حياة فيها، تَقِفُ اليوم مزارع ومشاريع زراعية حديثة تحمل ملامح تحول كبير في مفهوم الاستثمار الزراعي بالعراق.
هناك، لم تُعدّ الزراعة مجرد تجربة محدودة، بل مشروعاً استراتيجياً متكاملاً تتبنّاه العتبة العباسية المقدسة بهدف تحقيق الأمنين الغذائي والمائي، ودعم الاقتصاد الوطني، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، عبر توظيف التكنولوجيا الحديثة والطاقة النظيفة والخبرات العراقية.
ومن بين هذه المشاريع، برزت زراعة البطاطا الصناعية في مزارع الفردوس بوصفها واحدة من أكثر التجارب تميزاً ونجاحاً، بعد أن تحوّلت إلى نموذج متقدم للزراعة الصحراوية المعتمدة على الطاقة الشمسية والتقنيات الحديثة.
تجربة فريدة
في مزارع الفردوس التابعة لشركة اللواء العالمية في العتبة العباسية المقدسة، تبدأ رحلة البطاطا الصناعية منذ المراحل الأولى باستخدام الطاقة الشمسية في تشغيل الآبار وتنظيم الري وإدارة الأعمال الزراعية الحديثة، ابتداءً من تهيئة الأرض وصولاً إلى الحصاد.
هذه التجربة لم تكن اعتيادية، فالمزرعة تنتج بطاطا صناعية ذات محتوى نشوي عالٍ، تُستخدم مادة أولية في الصناعات التحويلية، ومنها صناعة الجبس، ما يجعل المشروع يتجاوز حدود الإنتاج الزراعي التقليدي إلى دعم القطاع الصناعي أيضاً.
ويعتمد المشروع على منظومة متكاملة من الطاقة النظيفة، إذ أصبحت الطاقة الشمسية جزءاً فعلياً من عملية الإنتاج، الأمر الذي أسهم في تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وخفض التكاليف التشغيلية، فضلاً عن تحقيق استدامة بيئية تتلاءم مع طبيعة المناطق الصحراوية.
يصف مدير زراعة كربلاء المهندس محمد الطيار مشروعات العتبة العباسية المقدسة الزراعية بالناجحة والفريدة من نوعها في صحراء كربلاء، وذلك في زيارته مع وفد من أقسام المديرية إلى مشروع مزارع الفردوس.
يقول الطيار، إن "الأعمال التي تقوم بها العتبة المقدسة في كافة مجمعاتها الزراعية هي مشروعات ناجحة، وتستقطب أيدٍ عاملة كثيرة، والتجربة الناجحة التي أقدمت عليها العتبة العباسية وشركة اللواء هي زراعة البطاطا الصناعية لأول مرة في صحراء كربلاء، وندعوهم للاستمرار والانفراد بهذا التخصص".
ويضيف، "الإنتاج والأصناف التي شاهدناها من البطاطا الصناعية في المزرعة هي أصناف ذات جودة عالية".
مبيناً، "المشروع يسهم في دعم المنتجات الوطنية وتوفير فرص عمل محلية تنعكس بصورة واضحة على القطاع الاقتصادي".
وتنتج مزارع الفردوس محاصيل متنوعة، تُسوَّق للاستخدامات الصناعية والغذائية، فضلاً عن استخدامها كبذور لزراعة أصناف ذات رتب عالية، في إطار رؤية تهدف إلى بناء قطاع زراعي متطور قائم على الإنتاج النوعي.
رؤية تنموية متكاملة
تعتمد هيأة تطوير الشركات والمواقع الاستثمارية في العتبة العباسية المقدسة معادلة ثلاثية قوامها التخطيط والإشراف والتطوير، في إطار سعيها إلى زيادة الإنتاج ودعم الاقتصاد الوطني.
وحققت الهيأة تقدماً ملموساً في عدد من المجالات، من بينها مشاريع الطاقة النظيفة، والمشاريع الزراعية الاستراتيجية، فضلًا عن المنتجات الغذائية والمنظفات والمعقمات، بما يلبّي احتياجات الأسواق المحلية.
وفي حديثه عن رؤية العتبة العباسية المقدسة لدخول ميدان الاستثمار والإنتاج، يؤكد رئيس الهيأة السيد محمد الأشيقر، أن تجربة العتبة في هذا المجال أصبحت أنموذجاً يُقتدى به، لأنها ركزت على المشاريع الاستراتيجية ذات التماس المباشر مع حياة المواطن.
موضحا، "العتبة تبنّت مشاريع تسهم في تحقيق الأمن الغذائي والأمن المائي، إلى جانب دعم الاقتصاد الوطني وتشغيل الأيدي العاملة واحتضان الكفاءات الوطنية، فضلاً عن نقل التكنولوجيا المتقدمة وتوفير السلع والخدمات ذات الجودة والأسعار التنافسية".
ويشير، "العتبة أولت اهتماماً خاصاً بالجوانب الدينية والاجتماعية، عبر توفير منتجات موثوقة، والعمل على ترسيخ ثقافة الإنتاج والاستهلاك الوطني".
قاعدة الأمن المائي والزراعي
وفي إطار مواجهة أزمة المياه، أطلقت العتبة العباسية المقدسة عام 2016 مشروع الساقي للمياه البديلة، الذي يُعدّ من أبرز المشاريع الاستراتيجية في محافظة كربلاء.
ويقع المشروع في المنطقة الصحراوية الغربية للمحافظة على مساحة تبلغ 10250 دونماً، ونفذته شركة اللواء العالمية التابعة لقسم المشاريع الهندسية بالتعاون مع دائرة آبار كربلاء.
ويتكون المشروع من 55 بئراً رُبِطت بشبكة أنابيب بطول 75 كيلومتراً، ضمن مساحة مخصصة تقارب 10 آلاف دونم.
وأوضح رئيس قسم المشاريع الهندسية المهندس ضياء مجيد الصائغ في وقت سابق، أنّ المرحلة الأولى من المشروع تضمنت حفر 50 بئراً بطاقة إنتاجية تراوحت بين 20 و30 لتراً في الثانية للبئر الواحدة، أي ما يعادل نحو 1500 لتر في الثانية لجميع الآبار.
واعتمد المشروع برنامجاً خاصاً لمراقبة تدفق المياه وقياس كمّيّاتها بشكل دوري، مع تخصيص ثلاث آبار لوزارة الموارد المائية لأغراض البحث العلمي والتطوير.
وخُصِّصت مساحة ألف دونم من مشروع الساقي لزراعة أكثر من 14 ألف نخلة تضم أكثر من 95 صنفاً عراقياً نادراً وذا مردود اقتصادي مرتفع، من بينها البرحي والخستاوي والزهدي والبصراوي والخضراوي، فضلاً عن زراعة أشجار الفواكه والحمضيات بين المساحات البينية.
واعتمد المشروع تقنيات زراعية حديثة وبرامج تسميد متطورة بإشراف شركة خير الجود لتكنولوجيا الزراعة الحديثة، إلى جانب استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل المضخات.
حصاد الحنطة في قلب الصحراء
وضمن مشاريع الساقي الزراعية، أعلنت إدارة المشروع انتهاء موسم حصاد الحنطة لهذا العام، الذي استمر ثلاثة أيام، وشمل حصاد 840 دونماً من الحنطة ذات الرتب العليا.
وتوزعت المساحات على تسع مرشات محورية، فيما تواصل العمل لتوريد المحصول إلى محطتي غماس وأبي غرق للبذور المصدقة التابعتين لوزارة الزراعة العراقية.
ويقول مدير المشروع، الأستاذ زكي صاحب، إن "الحنطة المحصودة كانت من صنفين، الأول صنف بغداد المزروع على مساحة 360 دونماً، والثاني صنف بحوث/22 المزروع على مساحة 480 دونماً".
مؤكدا، "نجاح زراعة هذه الأصناف وسط الصحراء القاحلة جاء نتيجة تضافر جهود العاملين والخبرة المتراكمة في التعامل مع الأراضي الصحراوية باستخدام الأساليب والآليات العلمية الحديثة، فضلاً عن الإصرار على إنجاح التجربة والتوسع بها مستقبلاً".
ويضيف، "منتجات شركة خير الجود والبرنامج التسميدي والغذائي الذي وضعه فريق مختص منها، كانا من أهم أسباب نجاح المشروع".
وتبلغ المساحة المزروعة في موقع الساقي 840 دونماً موزعة على تسع مرشات محورية، منها ست مرشات تغطي 480 دونماً بواقع 80 دونماً لكل مرشة، وثلاث مرشات أُضيفت في الموسم الحالي لتغطّي 360 دونماً بواقع 120 دونماً لكلّ مرشة، فيما يعتمد المشروع على مياه الآبار في سقي المحصول.
زراعة ذكية وإنتاج نوعي
الى ذلك أسهم مشروع المرشات المحورية التابع لشركة الكفيل للاستثمارات العامة في دعم زراعة المحاصيل الاستراتيجية، ولا سيما الحنطة، عبر تشغيل سبع مرشات محورية اعتمدت أفضل الأصناف المحلية والعالمية.
ويذكر معاون المدير المفوض للشؤون الزراعية والثروة الحيوانية، المهندس علي مزعل، أنّ عملية الري تتم باستخدام الأحواض والآبار والمرشات المحورية التي تغطي مساحات تصل إلى 68 و80 دونماً في مواقع مختلفة.
مشيرا، إلى أنّ تحقيق إنتاج عالمي لمحصول الحنطة يعتمد على اختيار بذور عالية الجودة، والتهيئة الجيدة للأرض، والتسميد المتوازن، ومكافحة الحشائش، واستخدام المخصبات الحيوية، مؤكداً أن هذه الأساليب أسهمت في تحسين الإنتاج كماً ونوعاً.
الحزام الأخضر
ومن جانب آخر من المشاريع الزراعية، يواصل قسم الحزام الأخضر الجنوبي الثاني رفد الأسواق المحلية بالمحاصيل الزراعية المتنوعة.
وأكد القسم أنّ واحاته الزراعية ترفد الأسواق بنحو 35 طناً من المحاصيل شهرياً.
وقال مسؤول شعبة الزراعة، السيد تنوير صادق، إنّ "ملاكات الشعبة تباشر يومياً بجني المحاصيل ضمن الخطة الزراعية الموسمية، مع اعتماد أساليب حديثة في الزراعة، منها استخدام الأسمدة العضوية عالية الجودة للحفاظ على التربة وصحة المحصول".
مضيفا، "المحاصيل التي يجري جنيها تشمل الباذنجان والفلفل والخيار والباقلاء والباميا، ضمن مساحة مزروعة تبلغ 9 آلاف متر مربع داخل البيوت الزجاجية والظلية".
وبيّن أنّ القسم يرفد السوق المحلي بمحصول الباذنجان بمعدل يزيد على طنّينِ أسبوعياً، إذ تبلغ مساحة زراعته أكثر من 3450 متراً مربعاً داخل البيوت الزجاجية الظِلِّية.
مؤكدا، "الهدف من المشروع يتمثّل في دعم المنتوج الوطني وتعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على المستورد، فضلاً عن توفير محصول طازج وآمن للمستهلك".
مشروع العوالي.. استصلاح الصحراء بالطاقة الشمسية
ويشكل مشروع العوالي الزراعي جزءاً من جهود العتبة العباسية المقدسة في تطوير الزراعة الصحراوية وتحسين الواقع البيئي.
ويُعدّ المشروع نموذجاً للتنمية المستدامة، إذ يجمع بين الزراعة الحديثة وحماية البيئة واستثمار الموارد الطبيعية بأفضل صورة ممكنة.
وركز المشروع على إنتاج المحاصيل الاستراتيجية واستصلاح الأراضي الصحراوية وتحسين الواقع البيئي، فيما تضمنت مراحله الأولى حفر 11 بئراً وتجهيزها بالطاقة الشمسية، وزراعة 1200 نخلة، وإنشاء حزام أخضر يحيط بالمشروع.
مستقبل يتشكّل
وتؤكد هذه المشاريع مُجتَمِعَة، أنّ العتبة العباسية المقدسة لا تنظر إلى الزراعة بوصفها نشاطاً اقتصادياً فحسب، بل بِعَدِّها مشروعاً وطنياً واستراتيجياً يرتبط بالأمن الغذائي والمائي والاستقرار الاقتصادي.
وفي وقت تواجه فيه الزراعة العراقية تحديات كبيرة بسبب شحّة المياه والتغيرات المناخية، تبدو التجارب التي تنفذها العتبة العباسية في صحراء كربلاء، ولا سيما تجربة البطاطا الصناعية المُعتمِدة على الطاقة الشمسية، نموذجاً متقدماً يمكن عن طريقه تطوير القطاع الزراعي العراقي وتحويل الصحراء إلى مساحات مُنتِجَة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة.