image alt

من إحياء الصحراء إلى خلق فرص العمل

من إحياء الصحراء إلى خلق فرص العمل

مشاريع تدمج بين حماية البيئة ودعم الاقتصاد والترفيه الاجتماعي


 في صباحٍ هادئ، إذ تتسلل أشعة الشمس الذهبية عبر أوراق أشجار الزيتون، كان حيدر مجيد، الرجل الثلاثيني البسيط، يفتح مقصورتَه الصغيرة (الكشك) على الطريق بمحاذاة مشروع الحزام الأخضر، الذي يمتد من الشمال الغربي إلى الجنوب الغربي من مدينة كربلاء المقدسة.

 عانى حيدر سنوات من البطالة، وسعى جاهدًا لتوفير لقمة عيش كريمة لأسرته الصغيرة المكونة من خمسة أفراد.

 في بداية حياته، لم يكن يملك سوى القليل من المال، غير أنه كان يملك طموحًا لا ينضب وإصرارًا على تغيير واقعه.


إحياء الحزام الأخضر

الحزام الأخضر الجنوبي يمتد بطول 27 كيلومترًا وعرض يتراوح بين 100 إلى 130 مترًا، ومساحته ألف وثمانون دونمًا، وكان في البداية مشروعًا حكوميًا يهدف إلى حماية مدينة كربلاء من العواصف الترابية.

 ولكنه أُهمل بسبب الأزمة المالية التي ضربت البلاد في 2014، ما أدى إلى تضرر الأشجار فيه بشكل كبير؛ بسبب الجفاف وانعدام الاهتمام.

 ثم أخذت العتبة العباسية المقدسة على عاتقها مسؤولية إحياء المشروع في 2019، وبدأت في إعادة إحيائه وتحويله إلى واحة خضراء، تستهوي الزوار المحليين والقادمين من المحافظات الأخرى على حد سواء.

عندما استفاد حيدر من هذا المشروع قبل ثلاث سنوات، فاتحا مقصورة صغيرة أو (كشكًا) لبيع ما يحتاجه قاصدو المكان، تغيرت حياته بشكل ملحوظ.

فمع ازدهار المكان، وتزايد الزوار، كان إقبال الناس على مقصورته يتزايد، لاسيما وأن العتبة العباسية اضفت لمسات خدمية وترفيهية على المكان باستحداث واحات اصطناعية ولعب أطفال.

"هذه المقصورة الصغيرة قد لا تبدو شيئًا كبيرًا للوهلة الأولى، لكنها بالنسبة لي بداية جديدة، وهي مفتاح مستقبل أفضل لعائلتي"، يقول حيدر وهو ينظر إلى الزوار الذين يقصدون المكان للاستمتاع بجمال الطبيعة.

في أيام العطل، كانت مقصورته تصبح نقطة جذب للعديد من الأشخاص، ممن يصطحبون أسرهم، يلتقطون الصور ويتناولون الطعام، بينما أطفالهم يلعبون بجوار الأشجار.

التطوير المستمر للمشروع

الحقوقي ناصر حسين، مدير مشروع الحزام الأخضر في العتبة العباسية يشير إلى أنّ العتبة العباسية بذلت جهدًا كبيرًا في تحويل المشروع إلى متنفس بيئي واقتصادي.

 ويشير حسين إلى أنّ، "الحزام الأخضر أصبح مشروعًا متكاملًا منذ تولي العتبة العباسية المسؤولية عنه، إذ أنشأت أكثر من 24 واحة اصطناعية وزرعت فيه أنواعًا متعددة من الأشجار المثمرة مثل، الزيتون، التين، المشمش، والنخيل، مما جعل المنطقة جاذبة للمواطنين والزوار من خارج المدينة".

في السياق نفسه، يقول حيدر، "لقد حولت العتبة مكانًا مهملًا تعاني اشجاره من العطش وتفتك به الحيوانات البرية إلى مكان يعج بالحياة".

 من الواضح أن الأشجار في الحزام الأخضر لم تعد فقط مصدرًا للثمار، بل أصبحت مأوى للطيور البرية الجميلة بأنواعها، وتحول هذا الجزء من الأرض بعد أن كان صحراويا إلى واحة خضراء تُنبت الأمل.

فرص العمل وثمار الجهد

اليوم، لم يقتصر تأثير المشروع على حيدر وحده؛ فقد أصبح العديد من السكان المحليين يعملون في الحزام الأخضر كحراس، ومزارعين، ومشرفين زراعيين، وموظفين في أنشطة ترفيهية، بالإضافة إلى ذلك، أصبحت المنطقة مصدرًا للإنتاج الزراعي.

 حيث تم إنتاج 243 طنًا من التمور، و5 أطنان من الدبس، إلى جانب الزيتون والفواكه الأُخر، وتم استثمار مخلفات الأشجار لتصنيع سماد بيئي، ما يعزز من استدامة المشروع.

"أصبح لدينا أكثر من ألف عامل يعملون في مختلف التخصصات، وكان المشروع في البداية مجرد فكرة بيئية، ولكنّه أصبح مصدر رزق للكثيرين"، يقول مدير المشروع الحقوقي ناصر حسين.

تحول اجتماعي وثقافي

وعلاوة على الفوائد الاقتصادية، أصبح المشروع أيضًا مركزًا اجتماعيًا؛ حيث يلتقي فيه الأهالي من أنحاء كربلاء وأيضا الزوار من خارج المحافظة. والترفيه، والراحة، والاستجمام، في الحزام الأخضر جعله نقطة جذب، تؤمن للعائلات متنفسًا بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية.

حيدر ومشروعه

جلس حيدر تحت شجرة زيتون في أحد الأيام، مستمتعًا بالظل الوارف، وهو يتأمل المشروع من حوله.

 شعر بالرضا وهو يرى حلمه بمصدر دخل معقول، قد تحول إلى واقع، "أنا فقط فتحت (كشكًا) صغيرًا، لكن هذا (الكشك) أصبح ملمحا مهما في هذا المكان".

كأنّه همس لنفسه مبتسمًا، "الحياة الخضراء من حولنا بدأت تثمر".

نظرة مستقبلية

الحقوقي ناصر حسين يشير إلى، أنّ "المشروع لم يعد مجرد مشروع بيئي فقط، بل أصبح جزءً أساسيًا من خطة تطوير المدينة؛ فنحن نعمل على إزالة أي معوقات، وبناء بيئة آمنة للجميع."

في النهاية، تُظهر هذه القصة كيف يمكن للمشاريع المستدامة أن تعيد الحياة إلى المناطق الجافة، وتخلق فرص عمل، وتعيد الأمل للأشخاص الذين يظنون أن التغيير مستحيل.