مع أوّل ليلة من ليالي شهر رمضان، اعتاد الحاج (أبو جلال) بجلال شيبته البيضاء، وسحنته السمراء الداكنة، بلون سنوات عمره السبعين، ألّا يفرّط بشرف زيارة صحن المولى أبي الفضل العباس (عليه السلام) في الليل والنهار، متأسيا بقوله تعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى).
تلك التقوى التي فسرها الإمام علي (عليه السلام) أنّها "الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل".
والحاج أبو جلال هو أحد سكنة منطقة الغدير في مدينة كربلاء المقدسة، وهو كما يتبين مداوم على زيارة العتبات المقدسة بشكل يومي.
ويعلّق أبو جلال، "هذا ما سعينا إليه ونحن في جوار ساقي عطاشا كربلاء وأخيه الإمام الحسين (عليهما السلام) في كربلاء المقدسة، حيث تزدحم المآذن بالأنوار، مشهد إيماني يجمع بين عراقة المكان وقدسية الزمان".
مضيفا، "بمجرد أن تطأ قدمي صحن أبي الفضل العباس (عليه السلام) ، حتى يستقبلك مشهد يأسر الألباب ، صفوف متراصة، ومصاحف مفتوحة، وزهور منسقة بشكل يسر الناظرين".
إذ يتراصف تالو القرآن متخذين شكلا هندسيا مربعا، وهم يتناوبون على التلاوة في أجواء تذهب بمن يطلع عليهم إلى أجواء نادرة آسرة مفعمة بالإيمان والسكينة.
خلف هذا التنظيم الدقيق يقف المجمع العلمي للقرآن الكريم في العتبة العبّاسية المقدّسة بالشؤون القرآنية، ونشر الوعي القرآنيّ وتعليم معاني كتاب الله، عَبرَ تنظيم المشاريع والفعّاليات والدورات التعليمية، وإصدار الكتب والدراسات المتعلّقة بالقرآن الكريم وعلومه، وتقديم برامج تفاعلية تعزّز فهم النصوص القرآنية.
إذ يقيم القسم بشكل دوري محافل تلاوة القرآن في صحن العتبة العباسية المقدسة، فيما يقام هذا النشاط الإيماني بشكل يومي في الروضة الشريفة.
تعزيز الارتباط بكتاب الله
من جانبه يبين الشيخ جواد النصراوي مدير معهد القرآن الكريم في كربلاء أن "فعاليات الختمة القرآنية انطلقت تزامنًا مع حلول شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ، وتتضمن فقرات متنوعة، وبمشاركة نخبة من القراء".
مضيفا، "المعهد أعد جدولا خاصا بالقراء المشاركين من العتبة المقدسة والمؤسسات القرآنية، يتضمن تخصيص أيام لأصناف خاصة، منها: قراء القوات الأمنية، وأساتذة الجامعات العراقية، والأطباء، والمهندسون، وفئة حفظة القرآن الكريم".
مبينا، "يشارك خمسة قرّاء يوميًّا في قراءة جزء من الكتاب المجيد، يتوسطهم أحد طلبة العلوم الدينية".
متابعا، "المجمع العلمي ينظم هذه الختمة المركزية في الصحن الشريف، بالإضافة إلى ختمات أخرى في مساجد كربلاء وحسينياتها، وباقي فروع المعهد؛ بهدف نشر الثقافة القرآنية، وتعزيز الارتباط بكتاب الله العزيز".
ويحرص القائمون على تنظيم المحافل القرآنية اختيار نخبة من مركز القرآن الكريم، فيوضح أحد المشرفين على المحفل، "نحن لا نبحث عن جمال الصوت فحسب، بل عن الأداء الذي يراعي أحكام التجويد والوقف والابتداء، والقادر على نقل المستمع من عالم المادة إلى عالم الروح".
من جانبه يرى الأستاذ جاسم السعيدي تدريسي متقاعد، أن "ما يميز المحافل العباسية هي التوظيف الذكي للتقنية".
موضحا، "حيث تنقل هذه المحافل عبر البث المباشر ومنصات التواصل الاجتماعي، لتصل التلاوات إلى ملايين المتابعين حول العالم".
مشيرا، " هنا يشعر الإنسان أنه قريب من الله سبحانه وتعالى، وأن الدنيا وما فيها لا تساوي شيئا أمام عظمة كلامه".
أثر لا يمحى
يبدو أن الليالي والأيام التي امضاها الحاج (أبو ابراهيم الحجيمي) في رحاب الصحن الشريف تركت له اثرا نفسيا عميقا.
قائلا، "محافل القرآن في العتبة العباسية هي رسالة ناطقة بأن (الكتاب والعترة) متلازمان لا يفترقان".
موضحا، "وهي منبر من منابر بناء الإنسان وتطوير مهاراته الروحية والفكرية تحت ظلال راية الكفيل".
ويتابع، "ورفع مستوى الوعي الديني ومحاربة الأفكار الدخيلة، واكتشاف المواهب الصوتية العراقية الشابة وإيصالها إلى العالمية، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين الزائرين من مختلف القوميات".
ويضيف، "إلى جانب هذا وذاك هناك المحافل النسوية التي تقام بخصوصية تامة وتشرف عليها كوادر نسائية متخصصة، هي خطوة بالاتجاه الصحيح من أجل تمكين المرأة ومن ثم بناء المجتمع ككل".
أثر الختمة في نفوس الزائرين
يقول أحد الزائرين الذين واظبوا على الحضور، إنّ " المحافل القرآنية التي تقيمها العتبة العباسية المقدسة، لها نكهة لا أجدها في مكان آخر ".
مضيفا، "هنا تشعر أن القرآن يتنفس معك، وأن كل حرف يُتلى يغسل تعب النهار وصيام الهجير".