بخطوات محسوبة يبدأ حسنين صادق كاظم بتسلّق السلم، بعد التأكد من تثبيته، بينما الريح تداعب أطراف ردائه، في يده قطعة قماش قطنية رطبة، وفي قلبه خشوع من يعرف أنه يلامس قمة الشموخ وعظمة الكبرياء ورمز الإباء.
حين يصل إلى القمة، ينحني بهدوء ليمسح ذرات الغبار عن الذهب، ليشتد بريق القبة الشريفة لأبي الفضل العباس عليه السلام.
عشرون عاماً خلت.. قضاها حسنين الذي بات مسؤول شعبة الأثاث والزينة في العتبة العباسية المقدسة، في خدمة غسل القبة والمنارتين، تلك المهمة التي نال شرف أدائها على الرغم من كونها لا تخلو من الخطورة.
مؤكدا تمسّكه بهذه الخدمة في المناسبات كلّها قائلا، "قلبي معلق بهذه الخدمة.. في كل مرة تقترح الإدارة نقلي إلى خدمة أخرى وأنا أرفض بشدة؛ لأنّي أشعر أنّني ولدت لهذه الخدمة".
ويتبع حسنين قواعد صارمة في مهمته الموكلة إليه وهي، تنظيف قبة مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام في مدينة كربلاء المقدسة.
تلك القبة البهية التي يبلغ محيطها (46.5 م) وقطرها (15م) وهي تتوسط المئذنتَيْن، حيث ترتكز من داخل الضريح على أربعة جدرانٍ ضخمة.
بدوره يكشف الشيخ زين العابدين القريشي معاون رئيس قسم رعاية الصحن الشريف حرص الإدارة على استخدام الأحزمة الواقية والخوذ والسلالم التي تُثبّت على القبة والمنارة.
مشيرا، "إنّها مهمة حساسة وبحاجة إلى حِرفية في التعامل مع سطح القبة".
مبينا، "الفريق المختص بغسل القبة الشريفة يخضع لشروط خاصة قبل الالتحاق بالعمل، منها التزام قواعد السلامة، والقدرة على التحمل، وألا يتجاوز الوزن 90 كيلوغراماً لضمان سهولة الحركة على الارتفاعات".
ويضيف، "نستخدم الماء وقطعة قماش قطنية للتنظيف دون أي منظفات كيمياوية، حفاظاً على الذهب من الأضرار".
من جانبه يقول كاظم عباس، مسؤول وحدة الزينة، "العمل يحتاج إلى لياقة بدنية عالية وتركيز شديد، لأننا نتعامل مع ارتفاعات تصل إلى عشرات الأمتار".
موضحا، "السلم الذي نستخدمه لغسل المنارة يبلغ طوله تسعة أمتار، فيما يصل ارتفاع السلم الخاص بغسل القبة إلى عشرين متراً".
ويضيف، "نقوم بأعمال الغسل والتنظيف مساء حتى ما بعد منتصف الليل، والوقت يختلف بحسب طبيعة التنظيف".
مبينا، "في فصل الصيف نواجه الغبار والحرارة العالية، بينما يكون العمل في الشتاء أقل صعوبة من ناحية التلوث".
ولا يقتصر هذا العمل على حسنين وكاظم وحدهما، بل يشاركهم فيه عدد من المنتسبين، منهم مصطفى صادق، ومحمود محمد عطية، وعلي هادي، ليشكّلوا معاً فريقا متكاملا مكوَّنا من خمسة أشخاص، يتعاونون في غسل القبة الشريفة والمنارتين، كلٌّ بحسب دوره وخبرته.
ويخضع جميعهم لشروط خاصة تتعلق باللياقة البدنية والالتزام بالتعليمات، لضمان إنجاز المهمة بدقة وأمان.
وعلى مدار أربعة أيام، يظل الفريق منشغلاً بغسل القبة، ولا يُنظر إلى عملية الغسل كعمل يدوي شاق فحسب، بل كتجديد للعهد، وطقس إيماني يعيش تفاصيله حسنين صادق وفريقه منذ عقدين، لتبقى القبة متلألئة، شاهدة على خدمة لا تنطفئ جذوتها.
وتُعدّ قبة ومنارتا مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام من أبرز المعالم التاريخية والروحية في كربلاء المقدسة، وقد مرّتا عبر العصور بمراحل عديدة من الترميم والصيانة نتيجة ما لحق بهما من أضرار بسبب تقادم الزمن والعوامل الجوية.
وفي عام 2006م ناقش مجلس إدارة العتبة العباسية مشروعاً تاريخياً يقضي بتقوية المنارتين وصيانتهما مع إكسائهما بالذهب الخالص المطعّم بالمينا، مع الحفاظ على النقوش والكتابات الإسلامية القديمة وإعادة رسمها بدقة، ليُشكّل ذلك أول مشروع من نوعه في العراق.
بدأ التنفيذ رسمياً سنة 2008م بالتعاون مع شركة عراقية وبإشراف مباشر من الملاكات الهندسية في العتبة.
جرى استبدال الآجر القديم وبلاطات الكاشي الكربلائي بأخرى نحاسية مطلية برقائق الذهب عيار 24، مع إدخال المينا في الزخارف والكتابات، في عملٍ فني تطلّب خبرات دقيقة وأبحاثاً استمرت أشهراً لضمان مقاومته للعوامل المناخية.
كما خُطّت كتيبة المنارتين بخط الثلث المركب على أيدي أمهر الخطاطين العراقيين، وصُنعت جميع البلاطات الذهبية في ورش داخل العتبة، فيما أسهم فريق هندي متخصص بطرق الذهب يدوياً لإطالة عمره.
اكتمل المشروع سنة 2010م، ليضفي على المرقد الشريف بهاءً جديداً مع المحافظة على أصالته التاريخية، وليبقى شاهدًا على جهد العراقيين وإبداعهم في خدمة العتبات المقدسة.
ومنذ ذلك الحين أصبحت القبة الذهبية ومنارتا أبي الفضل العباس (عليه السلام) رمزاً روحياً وفنياً متفرّداً يزين أفق كربلاء المقدسة.
لا يناله الّا ذو حظ عظيم
إلى ذلك يكشف الشيخ زين العابدين، أنّ "العتبة العباسية المقدسة أعدّت برنامجاً خاصاً لتكريم الفائزين والمشاركين في الدورات، إذ تمنح إحدى الجوائز المميزة وهي التبرك بغسل القبة الشريفة، إلا أن هذا الغسل يقتصر على الجانب الرمزي، بينما يبقى العمل الفني الدقيق من اختصاص المنتسبين المتخصصين".
وأوضح، "عملية الغسل لا تعتمد على أي مواد كيمياوية حفاظاً على سلامة القبة والبلاطات، وإنما تُستخدم فراشي خاصة ومواد آمنة وفق تعليمات قسم المشاريع الهندسية".
مؤكداً، "الغسل يُجرى أربع مرات في السنة مع بدايات الفصول الأربعة، وقد يُعاد عند الحاجة إذا ما شهدت المنطقة عواصف رملية أو تراكمات إضافية.
وتستغرق عملية غسل القبة الواحدة نحو أربعة أيام كاملة".