لم تكن مجرد أجوبة تعود إلى تساؤلات، أو منافسة عابرة للفوز بجائزة، بل هي ماراثون كبير ضم عشرات الفتيات يسعين خلاله إلى العلم والمعرفة والحصانة الفكرية.
فوسط تركيز شديد ومواظبة حريصة على المنفعة المشتركة، اجتهدت تلك الطالبات في إبراز ما تعلمنه من مبادئ فقهية وعلوم عقائدية ومعارف دينية وتاريخية، وكان همهن الوحيد التقرب إلى الله زلفى، امتثالاً لتعاليم رسول الله وأئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ولم تقف بُعد المسافات وساعات الترحال الطويلة عائقاً يحد من نشاطهن وإصرارهن على تمثيل مدارسهن أفضل تمثيل، فقطعن مئات الكيلومترات قدوماً إلى مدينة العلم والإباء، كربلاء المقدسة، من شتى محافظات العراق، ليحللن ضيفات كريمات على الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة.
إذ أطلقت شعبة مدارس الكفيل الدينية النسوية، التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة المقدسة، فعاليات مسابقة "بصائر العلم الوطنية" بنسختها الأولى، بمشاركة مائة طالبة ينتمين إلى ستة عشر فريقاً من مدارس الكفيل الدينية.
تلك الفرق التي جاءت من تسع محافظات عراقية إلى مدينة كربلاء المقدسة بدت عازمة جميعها على استعراض مستوى أفرادها على الصعيد العلمي والمعرفي خلال المسابقة التي استمرت على مدى يومين متتاليين.
لماذا العتبة العباسية المقدسة؟
وكما يتبين، فإن المسابقة التي تبنت شعبة مدارس الكفيل النسوية الدينية تنظيمها، لم تكن هي الأولى من نوعها، إذ تتبنى الأمانة العامة في العتبة العباسية المقدسة فعاليات ثقافية واجتماعية وإنسانية مختلفة الغايات؛ بهدف المساهمة في برامج التماسك الاجتماعي في العراق.
إذ تُعنى إدارة العتبة المقدسة بالشؤون الثقافية والاجتماعية والاقتصادية على أكثر من صعيد، وتُفعّل أنشطتها في مختلف أنحاء العراق، فضلاً عن تبنيها لبرامج إنسانية حول العالم، لا سيما في القارتين الآسيوية والأفريقية.
ووسط الحشد النسوي الذي احتضنه مجمع الكليني (قدس سره) التابع للعتبة العباسية المقدسة، جاءت الإشارة إلى انطلاق فعاليات الجولة الأولى من المسابقة والتي اختصت بشعار (العلم نور إذا اقترن بالبصيرة).
وتعزو السيدة بشرى الكناني، مديرة الشعبة، تنظيم المسابقة إلى إيجاد بيئة علمية محفزة تعزز روح العمل الجماعي والثقة بالنفس لدى الطالبات. وقالت خلال كلمة افتتاح حفل المسابقة، "إن هذه الفعالية تمثل مساحة علمية وتربوية تجمع بين العلم والأخلاق وروح الأخوّة". مبينة أن "الهدف منها لا يقتصر على التنافس من أجل المراتب فحسب، بل يتعداه إلى بناء الوعي وصناعة شخصية علمية متزنة قادرة على الإسهام في المجتمع".
وأشارت إلى أن "الفعالية تسعى أيضاً إلى ترسيخ ثقافة التنافس الإيجابي البنّاء بين طالبات المدارس الدينية، واكتشاف الطاقات العلمية ودعمها، عبر مسابقات معرفية ذات طابع حوزوي وطني تسهم في تطوير المهارات العلمية والفكرية للمشاركات، بما ينسجم مع أهداف البرامج التعليمية والثقافية التي تتبناها الشعبة".
وبحسب مديرة الشعبة، فإن المسابقة تسعى إلى تعزيز ارتباط الطالبات بالعلوم الدينية عبر أساليب تفاعلية، إلى جانب تحقيق أهداف تربوية تسهم في توطيد العلاقات الأخوية بين الطالبات، وترسيخ قيم الإيثار والثقة بالنفس. تقول الكناني، "إن الحوار والمناقشة يمثلان جزءاً مهماً من فعاليات المسابقة، بما يسهم في تنمية شخصية الطالبة وقدرتها على التعبير والتفاعل العلمي والمعرفي".
وتندرج المسابقة ضمن برنامجٍ علميّ حوزويّ قائمٍ على جولاتٍ معرفية؛ الأولى في العقائد، والثانية في الفقه، والثالثة في الأخلاق، والمحور الرابع هو المحور المهدويّ.
وتضمنت المسابقة التي جرت على مدى يومين متتاليين أربع جولات تنافسية بين الفرق المشاركة، إلى جانب تضمنها فعاليات ثقافية جانبية تهدف إلى زيادة المستوى المعرفي والثقافي للطالبات. إذ شهدت فعاليات المسابقة عرض فيلم وثائقي من إعداد قسم الإعلام في العتبة العباسية المقدسة تناول سيرة عدد من العلماء، كان من أبرزها سيرة الشيخ الطوسي (قدس سره)، الذي يعد من أبرز أعلام الفكر الإسلامي.
جولات محتدمة
في السياق ذاته، أوضحت معاونة مديرة مكتب المتولي للعتبة العباسية المقدسة، السيدة فردوس علي، أن "الجولة الأولى من المسابقة أسفرت عن تأهّل ثمانية فرقٍ إلى المرحلة الثانية، من مجموع ستة عشر فريقاً". مبينة أن "الجولة الثانية نُظمت في مزرعة السدر النموذجية التابعة للعتبة المقدّسة، قبل أن تُستكمل مساء اليوم التالي".
ومزرعة السدر النموذجية هي إحدى المشاريع الزراعية العملاقة التي تبنت الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة إنشاءها في صحراء محافظة كربلاء، وتبلغ مساحتها نحو 300 دونم، وتضم أشجار النخيل وأشجار الفاكهة، إلى جانب زراعتها للمحاصيل الزراعية الموسمية.
من جهتها، أعربت مديرةُ مدرسة السيدة نرجس في محافظة ميسان، السيدة فاطمة حيدر، عن تميُّز لجنة التحكيم في تقييم إجابات المشاركات بدقة متناهية. وقالت حيدر، "إن لجنة التحكيم أظهرت مستوىً عالياً من الدقة والإنصاف في تقييم الإجابات ومنح الدرجات، الأمر الذي عزّز ثقة المشارِكات بمجريات التنافس". وأضافت أن "جميع الفرق المشاركة في المسابقة قدّمت أداءً علمياً يعكس حجم الاستعداد والجدية".
إلى ذلك، شهدت الجولة الثالثة تأهّل 4 فرقٍ هي، فريق (أمّ السبطين)، وفريق (البتول)، وفريق (زينب بنت علي)، وفريق (دار العلم)، بعد تحقيقها مستوياتٍ متقدمة في المحاور العلمية. فيما أعلنت اللجان التحكيمية والتنظيمية أن نتائج منافسات المرحلة الثالثة أسفرت عن تأهل فريقي (أم السبطين) و(زينب بنت علي).
من جانبها، أكدت مديرة مدرسة البتول في محافظة المثنى، السيدة نادية علي، أنَّ مسابقة (بصائر العلم) الوطنية الأولى تجربة تسهم في تعزيز الوعي وكشف الطاقات العلمية لدى الطالبات المشاركات. وقالت، "إنَّ المسابقة تعد الأولى من نوعها، وتهدف إلى تقديم مستوى علمي يعبِّر عن قدرات الطالبات ويعزز حضورهن في المحافل العلمية"، مبينة أنَّ "المدرسة استعدَّت للمشاركة في المسابقة منذ شهر رمضان المبارك".
وأضافت، "أنَّ المشاركة أفرزت نتائج إيجابية ملموسة أسهمت في ترسيخ روح التنافس الإيجابي لدى الطالبات، وتعزيز إدراكهن لأهمية التمثيل العلمي ضمن بيئة تربوية منضبطة، اتسمت بالاحترام والتعاون والالتزام بالتعليمات بين جميع الفرق". وأوضحت أنَّ "حصول المدرسة على المركز الرابع لا يقلِّل من قيمة التجربة، بل يعكس حجم الفائدة المتحققة في اكتشاف الطاقات العلمية المتميزة داخل المدرسة، وتعزيز الوعي، وبناء شخصية الفتاة، وتنمية ثقتها بنفسها وقدرتها على الحضور والمشاركة أمام اللجان العلمية".
المرحلة الرابعة النهائية
وفي مزرعة السدر النموذجية ذاتها، تبارى الفريقان المتأهلان ضمن منافسة شديدة، تضمنت سلسلة جولات علمية عكست تنوُّع المحاور المعتمدة في المسابقة. إذ شهدت الجولة استمرار التنافس عبر بقية المحاور، والتي شملت العقائد والفقه، إلى جانب المحور المهدوي، ضمن تسلسل علمي يراعي تنوُّع الموضوعات واتساعها، بما يسهم في اختبار شمولية المعرفة لدى الفرق المتأهلة.
فيما أعلنت اللّجنةُ المنظِّمة للمسابقة عن فوز فريق (زينب بنت علي - عليها السلام) بالمركز الأول بعد تحقيقه أعلى النتائج.
الحفل الختامي
ووسط حضور حاشد للفرق المشاركة، احتضنت باحات مجموعة العميد التربوية فعاليات الحفل الختامي للمسابقة، والذي شمل عدة فقرات فنية وثقافية، إلى جانب إلقاء كلمات تشيد بالجهود المبذولة لتنظيم المسابقة والمدارس المشاركة.
وتعد مجموعة العميد التربوية احدى المؤسسات الفاعلة في مدينة كربلاء المقدسة، والتي تضم عدة مرافق تعليمية.
وشهد الحفل توزيع التكريم على فرق المدارس المشاركة، فضلاً عن إلقاء قصيدة شعرية بعنوان (تألق العقول)، بالإضافة إلى عرض فيلم وثائقي من إنتاج مركز الثقافة الأسرية.
وعلّقت مديرة شعبة مدارس الكفيل النسوية الدينية، السيدة بشرى الكناني، في ختام الحفل قائلة، "إنّ الفوز الحقيقي لا يُقاس بالمراكز، بل بما تتحلى به المشاركات من أخلاق رفيعة، وتنافس شريف، وأثر علمي وأخلاقي دائم".
ولم يخلُ الحفل من لفتات إنسانية أيضاً، إذ كرّمت العتبة العباسية المقدسة إحدى المشاركات من ذوي الهمم (ذوي الاحتياجات الخاصة) ضمن المسابقة؛ وذلك تقديراً لتميزها العلمي وإرادتها القوية في مواجهة التحديات.
وعقّبت مسؤولة الشعبة قائلة، "إنَّ الطالبة الكفيفة قدَّمت مشاركة متميزة حملت رسالة ملهمة لمن حولها، مؤكدة أنَّ الإرادة الصادقة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص للنجاح والتفوق". وأضافت، "الطالبة جسدت نموذجاً مشرفاً لأصحاب الهمم العالية الذين يضيئون الطريق للآخرين"، مشيرة إلى أنَّ هذا التكريم يعكس الاعتزاز بإنجازها ويؤكد أهمية دعم الطاقات المبدعة.