وسط أكوام المسودات المبعثرة، يجلس كاتب السيناريو الدكتور إحسان التميمي أمام شاشته التي لا يكفّ وميضها عن عكس ملامح وجهه المتأمِّل والمليء بالشغف في آن واحد، لم يكن يكتب مجرد فيلم، بل كان يخوض غمار مشروع طموح يعرف بــ "ثلاثية الماء".
بدأت القصة قبل أكثر من ثلاثة أعوام تقريبا، عندما قرر الدكتور التميمي أن يناقش الماء ليس بوصفه مورداً طبيعياً فحسب، بل بوصفه بطلا درامياً يربط بين الأحداث.
يقول الدكتور التميمي وهو يقلّب صفحات تلك الثلاثية، "الماء هو الذاكرة الوحيدة التي لا تموت، أردت أن أكتب نصًّا يُشعر المشاهد ببرودة الماء وحرارة العطش في آن واحد".
مضيفا، "فيلم ثلاثية الماء هو عمل رسوم متحركة ثلاثية الأبعاد، مكوّن من ثلاثة فصول مترابطة، تقوم جميعها على ثيمة واحدة، وهي ثيمة الماء بِعدّه رمزاً للحياة، والرحمة، والابتلاء، والقدرة الإلهية التي تتجلّى في مختلف الأزمنة والوقائع".
ويسترسل التميمي، "ثلاثية الماء ليست مجرد سرد تاريخيّ، بل هي محاولة لإعادة قراءة هذه الأحداث من زاوية إنسانية وجمالية وروحية، عبر عمل فني بصري يقدّم الماء عنصراً يجمع بين المعجزة والكرامة والمبدأ وهي فكرة استلهمتُها من علاقة الماء بالحياة".
مشيرا، "أن الله غرس في الماء كلّ شيء حيّ، وعلاقة ذلك بالسلالة النبوية الممتدّة من نسل إسماعيل عليه السلام، مروراً بعبد المطلب وانتهاءً بأبي الفضل العباس عليه السلام".
مبينا، "شارك بكتابة السيناريو مخرج الجزء الأول منه الأستاذ علي الكعبي، ليضفي الصورة التنفيذية الدرامية لهذا العمل المهم".
مستدركا، "الفيلم هو الأضخم إنتاجيًّا في العراق لأسباب عِدّة، فهو يتكون من ثلاثة فصول، وكلّ فصل يُعدّ فيلماً مستقلاً بحد ذاته، ما يرفع سقف التحديات الإنتاجية على نحو كبير".
واعتمد سيناريو الفيلم في بنائه على ثلاثة أفلام منفصلة ظاهريا ومتصلة بجوهر واحد.
الفصل الأول، عرض قصة السيدة هاجر، زوجة نبي الله إبراهيم عليه السلام، والذي تدور أحداثه حول معجزة نبع زمزم وارتباطها بسيدنا إسماعيل عليه السلام، وكيف تحوّل الماء في تلك اللحظة إلى شاهد على العناية الإلهية التي حفظت طفلاً وأقامت حياةً من جديد.
أمّا الفصل الثاني، فبيّن قصة عبد المطلب، جدّ الرسول صلى الله عليه وآله، إذ ينتقل السيناريو ليستعرض كرامة عبد المطلب في إعادة اكتشاف بئر زمزم بعد سنوات من الجفاف الذي عانت منه مكة، لنرى الماء هنا بوصفه عودةً للبركة ومصدراً من مصادر النور الروحي والإنساني في تلك المرحلة.
في حين جاء الفصل الثالث، ليعرض أحداث صِفّين، حيث ينقلنا إلى مشهد تأريخي مختلف، وهو أحداث حرب صِفِّين، التي برزَ فيها موقف الإمام علي عليه السلام في تعامله الأخلاقي مع الماء، عندما أعطى جيش معاوية حقهم في الوصول إلى الفرات بعد أن سيطر عليه، مع أن جيش معاوية كان قد منعه عنه من قبل، فيظهر الماء هنا رمزاً للقيم العليا والرحمة والإنصاف حتى في زمن الصراع.
وسبق لسيناريست الفيلم، الدكتور إحسان التميمي أن أعدّ عملًا مماثلًا عرض جانبًا من سيرة الإمام الحسن عليه السلام، ومدّته ساعة تقريبا، وهو عمل قيد التنفيذ، إلى جانب عمل آخر هو "غريب باخمرا" ويعرض قصّة القاسم بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام، ولا يزال قيد المكتبة السردية التي تتعلق بالسيناريو.
بدوره يشير المخرج علي محمد سعيد الكعبي، إلى أنّ "فيلم ثلاثية الماء كان بمشاركة المخرج أحمد ماميثة".
مبينا، "هذا المشروع الضخم تمّ تحويله إلى تجربة بصرية غنية بالمعاني والتفاصيل التاريخية".
مشيرا، "شارك في الفيلم نخبة من الممثلين، منهم محمود أبو العباس، وخليل فاضل خليل، وشمم الحسن، وصاحب شاكر، ويحيى إبراهيم، وجبار خماط، وأحمد الصفار، وكرار الصافي، إلى جانب عدد من الممثلين الآخرين الذين أضافوا أبعاداً قوية للشخصيات داخل كلّ فصل من فصول الفيلم".
موضحا، " كثافة الأحداث داخل الفيلم عالية جداً، مع وجود أكثر من 40 شخصية تدخل ضمن الحوار، ما يضاعف حجم العمل على فريق الإنتاج".
ويكمل، "كما يحتوي الفيلم على ما يقارب 15 موقع تصوير مختلف، مع وجود مئات الكومبارسات".
مستدركا، "ما يزيد من تعقيد عملية التصوير والتحريك والتنسيق بين المَشاهد، عوامل مجتمعة تجعل ثلاثية الماء إنجازاً فنياً وإنتاجياً غير مسبوق في العراق، ويضع معايير جديدة لأعمال الرسوم المتحركة في المنطقة".
ويكمل الكعبي، "إنتاج فيلم انيميشن يحتاج إلى جهد ووقت وميزانية كبيرة، فهكذا أعمال مُكلِفة يصعب إنتاجها، ولكنّ العتبة العباسية المقدسة دخلت المعترك ووفّرت الأدوات والموارد اللازمة".
وسبق للمخرج علي الكعبي أن أخرج الفيلم القصير موصل ٩٨٠، وحصل الفيلم على ١٦ جائزة عالمية وترشّح مُمَثِّلًا عن العراق في جوائز الأوسكار.
الفيلم من إنتاج مركز الجود للرسوم المتحركة، التابع لقسم الإعلام في العتبة العباسية المقدسة، وجرى تصوير الفيلم في استوديوهات داخل مدينة كربلاء، الاستوديو الأول في مركز الجود، فيما جرى إنشاء استديو مؤقت في القاعة المغلقة داخل مجموعة العميد التربوية.
ومركز الجود للرسوم المتحركة الذي أسّسته العتبة العباسية المقدسة عام 2019، يختص بإنتاج الرسوم المتحركة ثنائية وثلاثية الأبعاد، فضلًا عن أعمال الذكاء الاصطناعي، وتصميم المجسمات ثلاثية الأبعاد، وتقنيات الواقع الافتراضي (VR).
ويدير المركز المخرج الشاب أحمد ماميثه الذي علّق قائلًا، "مدة الفيلم تصل إلى 50 دقيقة، وهي مدة كبيرة نسبياً لأعمال الرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد في المنطقة، ما يتطلب مجهودًا كبيرًا من ناحية التصميم والتحريك والإخراج".
ويضيف، "الفيلم روائيّ استند إلى روايات وقصص تاريخية، تمّت معالجتها لتكون مناسبة للعرض السينمائي، فكلّ فصل يروي قصة مختلفة، والفيلم ينتمي لأفلام الانيميشن وقد اعتمدنا إخراجيّا على السينما الواقعية في التكوين والبناء الشكلي للسرد الفيلم".
مبينا، "أنتج المركز منذ تأسيسه عددا كبيرا من أفلام الانيميشن".
إلى ذلك ينوّه أحمد الصفار، مسؤول التمثيل والدوبلاج في مركز الجود للرسوم المتحركة، إلى أنّ "دوبلاج شخصيات فيلم ثلاثية الماء يتدرج بين المستوى الجيد والممتاز".
ويقول، "أدّى دوبلاج بعض الشخصيات الرئيسة في الفيلم عددٌ من الفنانين العراقيين ذوي الحرفية الفنية العالية والخبرة الأدائية الموازية للأداء العربي، من أمثال الفنان العراقي شمم الحسن، والفنان المخضرم محمود أبو العباس وغيرهم".
مُعلّقا، "لم نواجه معوقات في مجال الدوبلاج؛ لأنّ مركز الجود بات مُلمًّا بالتقنيات والخبرات الفنية اللازمة للتنفيذ المهني والاحترافي".
لافتا، "الدوبلاج عالم تكاملي يعتمد على تكامل عناصر عِدّة، تنتج المؤدي الصوتي الحقيقي منها، اللغة المُتمكّنة، وسلامة اللفظ، وسلامة التنفس والجسد، وسلامة الجهاز الصوتي، والخيال الخصب، واتساع التجارب الحسية، والشغف الفني، والقدرة العالية على التقمص، والانضباط النفسي والاخلاقي والاجتماعي، وغيرها من العناصر الأساسية لصناعة فنان الدوبلاج والأداء الصوتي الصحيح".